محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٣ - الخطبة الثانية
ثم إنه من حقّ المرء أن يُذهل لتحميل الأمور ما لا تحتمل، والتجاوز بالحدث عن حدوده، وإعطاء رد فعل حكومي أو شبه حكومي في بعض الأحداث ذات الطبيعة المحدودة يحوّل الساحة الإعلامية والسياسية إلى ما يتناسب مع حالات الطوارئ الصعبة، والأحداث المهولة ذات الطبيعة العامة الشاملة، والتهديد الأمني الجدي الواسع بصورة تثير روح الانقسام الاجتماعي الخطير، وتحدث حالة من الغليان والتوتر في دائرة الوطن الواحد.
ويُنسى في هذه الحالة القانون وضوابطه وحدود ما يفرضه من حقوق وواجبات حتى ممن يُشرفون على تطبيق القانون ويُطالبون بالتقيُّد به؛ فإن اللجأ إلى تثوير الشارع وتحشيد مختلف القطاعات في صورة تظاهرة إعلامية واسعة، وشحن الأجواء بروح التوتر والغليان والتوثّب والترقب والتهديد والتوعد تجميد للقانون وتنكٌّر له، وخروج عليه.
وقد يضطر إلى الصراخ من لا يملك تطبيق القانون فيلتمس من ذلك عذراً لصراخه، وهو عذر غير وارد لمن بأيديهم تطبيق القانون. والمطالبةُ هي أن يكون التطبيق- لو أُريد- عادلًا منصفاً غير متزيّدٍ ولا متأوّل.
والغريب جدّاً أن أموراً بالغة الخطورة قد تتبنى الحكومة اتهام البعض بها- وإن لم تتحمل ذمتنا مشاركتها في هذا الاتهام فإثبات أي شيء مرهون عندنا بالبرهان- لكن لا الحكومة مع هذا، ولا الإعلام المناصر لها يثيران ضجة إعلامية صاخبة بحجم الضجة الإعلامية التي نجدها منهما في موارد أخرى دون تلك الموارد خطورة بكثير. وهذا أمر متكرر فلِم هذا الكيل بمكيالين متفاوتين؟!
أريد أن أقول أن عندي خوفاً؛ خوفاً من تحريك مظاهرات على المستوى الرسمي، تقابلها مظاهرات ومسيرات على المستوى الشعبي، خاصة إذا تلوّن نوع من المظاهرات بلون طائفي، وتلون النوع الآخر بلون طائفي آخر. هذا سيقودنا إلى وضع فوضوي تتقطع فيه الأواصر والصلات المتينة بين المسلم وأخيه المسلم، وهذه جريمة لا يصحّ أن يرتكبها