محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٤ - الخطبة الأولى
يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) ٣.
السمع والأبصار نوافذ الإنسان على العلم، والأفئدة مصنع المعرفة ومركز الإدارك والتقدير والتدبير والحكمة، وهي مواهب الله في الفطرة، وكلها فاقدة لقيمتها العالية ودورها الكبير في صناعة الإنسان السويّ ونموه وكماله ونضجه وهداه وإثراء إنسانيته وتوسيع أفقها بفعل جاهلية حضارة الطين، مع التمكين المادي، وبلوغ القوة المادية ما بلغت.
فالباطل يمكن أن يُقيم حضارة ماديّة ضخمة ولكن بلا إنسانية شامخة، وإنما الإنسانية في ظل هذه الحضارة هابطة منسحقة مضيَّعة، وهي بقدر ما تتعملق في الخارج، وتتركز قيمها في نفس الإنسان تأكل من معناه وإنسانيته، وتهبط بمستواه من حيث هو روح كريمة، ومشاعر طاهرة، وعقل حكيم، ومضمون سام خالد بإذن الله.
وهذه طائفة من الآيات الكريمة الأخرى في هذا الموضوع:
(أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) ٤.
حضارة مادية قوية، وغنىً باذخ، وثروة زراعية متقدمة لكن إنسانها مذنب ذنباً لا يستحق معه الحياة عند الله، ومجتمعها ساقط سقوطاً لا يصلح معه للبقاء. والإغراق في الذنوب، والوغول في الخطايا هو غاية الوهن، وضعف الشخصية الإنسانية وانحلالها.
(أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) ٥.
تقدم عمراني، وفنٌّ مادي راق، وقوة على الأرض لكن وراءها إنسان مضيّع للهدف، خاوٍ من القيم، يقوده العبث، وينفق العمر والفكر والنشاط في ما هو ضرب من ضروب التَّلهي الذي لا يقع خطوة على طريق الغاية الكبيرة النبيلة المربحة. ذلك أن المنطلق ماديٌّ لا يلتفت إلى الروح، وجاهلي منفصل عن الله.