محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٦٢ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات الكرام فالناس في همومهم على أصناف:
١. شخص غُثاء لايعيش همَّ آخرة ولادنيا، ولا يفيق إلَّا إحساس من جوع أو برد وعلى مستوى هذا الإحساس، يمضي أيّامه ولياليه من دون أن يشعر بقيمة ذاته، بقيمة مجتمعه، بقيمة الحياة، لايشغله همّ يومه ولاهم غده. حينما يأكل يلتذ، حينما ينكح يلتذ، هذه هي حياته لاتكاد تفارق في مستواها مستوى حياة الحيوان. هو ابن لحظته، وفي حدود لذته، ليس له فكر ولانظر يمتدّ إلى مستقبل. هذا شخص.
٢. شخصٌ آخر: يأكله هم دنياه: يجمع الكثير ولايشعر إلا بالفقر، وربما أنحله الحقد والحسد ... يضع كل ذكائه وخبرته في معركة الدنيا ومن أجلها. أينما كان وكيفما كان وحتّى لو صلّى وصام، كان في حسينية أو مسجد لايسكن قلبه إلا هم الدّنيا، ولايبارحُ تفكيره إيَّاها. قد يغشى المساجد والحسينيات، وقد يصلّي، وقد يحج، إلا أنه في كل ذلك مشغول بهمّ الدنيا. المظهر مظهر أخروي، والهم والهدف دنيوي خالص. يركب كل صعب من أجل الدنيا، ويسترخص كل ما هو أخروي.
٣. شخص آخر يتقاسمه همَّان؛ همّ الدنيا وهم الآخرة، ويتنازعانه، ويتناوبان عليه. مرة يغلبه هم الدنيا، ومرة يكون مغلوباً لهم الآخرة، فهو في تذبذب وتقلب وتعاقب من الهمَّين. والله أعلم كيف ينتهي، وعلى أي هم ينتقل إلى أخراه.
٤. شخص يعيش هم الآخرة ويسعى لها منكبّاً على العبادة في معناها المصطلح الضيّق، يعرف من العبادة الصلاة والصيام، والحج، وما هو عبادة بتَسمِيَةٍ واضحة في الإسلام، أو في العرف العام، لايدري من فسد ومن صلح، ولا يهمه من أمرهما شيء.