محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٤ - الخطبة الثانية
وإطلاق كلمة الواقعية من غير تحديد المعنى المقصود، قد يخلق حالة من الضبابية في الرؤية، وإجمالًا في المراد، وبلبلة في الفهم، وقد يُبرَّر به ما لا يصحُّ تبريره.
ومن الواضح جدّاً بأنه لا رسالية في الانسياق وراء الواقع المنحرف، والاستجابة بغير حساب لضغوطه واملاءاته، والتكيف المطلق معه، وإعفاء النفس من عناء مواجهته، وطلب الرُّخص للموقف الانهزامي منه، فضلا عن الانتهازية وركوب موجة الواقع للأغراض الدنيوية الحقيرة.
على أن مصلحة الرسالة لا يحفظها إهمال النظر إلى الواقع وإيجابياته وسلبياته وفرصه ومنافذه، وما يمكن تجاوزه منه وما لا يمكن تجاوزه مع عرض نتيجة النظر في الواقع على الرسالة والدين في استفتاء صريح موضوعي لها لترسم الموقف، بعيداً عن حالتي التهور والانهزام اللتين كثيراً ما تعتريان أنفسنا بمقدارٍ مُغرق ينبغي الاحتراس منه، ولا عاصم إلا الله.
والرسالة لا تُفتي أبداً بالاستغراق في الواقع المنحرف، والركون إليه، والمساعدة على إشادته وتثبيته، وإنما فتواها دائماً بالدرء منه، وتصحيحه بهذا اللون من الموقف أو ذاك، وبالصورة العاجلة الحاسمة، أو التدريجية، مع تقدير دقيق للأولويات، والتزام صادق بترتيبها.
حين نخطئ الفهم:
كم حصد شعار الرسالية والمبدئية والغيرة على الدين، والمفصولُ عن حسِّ الواقعية من خَلْق، وضيَّع من مصالح، وأفسد من أمور، وأضرَّ بالدين، وسبّب من كوارث؟!
يقول لك الرسالي المندفع: هذا منكر، ولابد من اقتلاعه، فتقول له: هذا صحيح، ولكنك لا تملك أسباب اقتلاعه في يومين، وأسلوبك في اقتلاعه لا يقتلعه، ويحطِّم كل المصالح.