محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٠ - الخطبة الأولى
على نسيان من الآخرة، أما الذاكرون للآخرة، الذاكرون للرحلة الطويلة الشاقة، الذاكرون لرحلة الوحدة والوحشة، الذاكرون ليوم المنقلب وهوله العظيم، لا يلهون، لا يلعبون، لا يعبثون.
حين يلهينا التكاثر مثلًا (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ)، وهو وسيلة من وسائل الشيطان، ننسى الآخرة، ننسى السعي لها، نتلهّى بالدنيا، نأنس إليها.
(فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا).
تأتي أفواج وأمم يوم القيامة تنساهم رعاية الله، تنساهم رحمة الله، بمعنى أنْ تتعامل رحمة الله معهم تعامل من نُسي، وأن تنصرف عنهم عناية الله، وألطاف الله وكأنهم منسيون (فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ ..) هذا جزاء أي شيء؟ (... كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا) نسوه في مقام الفكر، فلديهم فكرٌ يناقض فكر الآخرة، قدموا للناس نظريات تعارض رؤية الآخرة، ونسوا الآخرة في مشاعرهم، عظّموا الدنيا وتفهت في أنفسهم الآخرة، وعد الله عندهم كان لا يساوي شيئاً، ووعد الآدميين كان في نظرهم يساوي كل شيء.
يستحوذ عليهم المنزل، تستحوذ عليهم السيارة، يستحوذ عليهم كل شيء من هذه الدنيا، ووعد الله الجميل لا ينال من قلوبهم موقعا أبدا، نسوا يوم الآخرة في مقام الشعور، ونسوه في المواقع العملية، وفي صياغة المواقف؛ في الفعل وفي رد الفعل. فكان السعي كله للدنيا ولم تكن الآخرة تنال من سعيهم حظاً.
الشيطان يُنسي الناس الله، ينسيهم المواثيق الإلهية، والكتب السماوية، ويُنسي الإنسان نفسه. الشيطان يتخلل ما بين الإنسان ونفسه، لينسيه ذاته، لينسيه قيمته، لينسيه مستقبله، لينسيه مصلحته، يريه نفسه الشيء الخفيف الذي يمكن أن يُباع بحفنة من الدنانير، يريه نفسه حقيرة بسيطة كتلة من اللحم والدم التي يمكن أن تدخل في سوق النخّاسين لتُشترى بالثمن البخس.