محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٦٧ - الخطبة الأولى
وعقله.
قانع بما رزقه الله: له غنى في نفسه من ربّه لا يستقل معه ما في يده، ويستعلي به عن أن يمدَّ بصره إلى ما في يد غيره، ويحميه من التبرُّم والتضجُّر والابتئاس وإن قلَّ ما في الجيب، وما هو من خير العاجلة إيمانه بربه، ويقينه بكرمه وحكمته ولطفه ورحمته.
لا يظلم الأعداء: يحكم انفعالاتِه، ولا تحكمه انفعالاته، إذا انفعل لا يغلب انفعالُه عقلَه، ولا يغيِّب في موقع الشعور والنطق والفعل دينَه، ولا يميل به عن الحقِّ، ولايفسد عليه رؤيته. فالعداوة بينه وبين غيره، ولا تكون لباطل من جانبه لا تركبه ظلماً، ولا تُحدِث منه جوراً، فلا يلحق عدوَّه منه عدوان، وتجاوز لحقٍّ يقدر عليه.
ولا يتحامل على الأصدقاء: نفس يحكمها تسامح الدين، وخُلُق القوة، وطهر السريرة، فتغضي عن السيئة، وتصفح عن الخطيئة، وتذكر حقَّ الأخوة، ولاتسرع إلى القطيعة. إنّها النفس المترفِّعة التي لاتقف عند سقطات الإخوان، وزلات الأصدقاء، وتلتمس لذلك عذراً من ضعف الإنسان وغلبة الغفلة عليه.
النّاس منه في راحة، ونفسه منه في تعب: لا يسمح للشر أن يقوم في نفسه؛ ليجري منه الشيء السيىء على يده، وله من خير النفس وفعل الخير ما يُسرُّ به غيره، وتصل نفحاته العبقة إليه. أما نفسه فهي منه في تعب لا ضرر، وفرق بين ما هو تعب وما هو ضرر، وفي جهد لا ظلم ولا إساءة. إنه ليس ممن يظلمون أنفسهم، إذ تعب نفسه منه لبنائها وطهرها وكمالها، فمن تعبها هذا تقوى وترقى، وتسمُق وتعظم وتتقدَّم.
الإمام (عليه السلام) في هذه الكلمات المشرقة يرسم صورة عن نفسه الكريمة، وشخصيته الإيمانية القوية، ولسانه (عليه السلام) يغترف من قلبٍ يزخر بالخير، وروح تشرق بالكمال، من شخصية فولاذية قويّة ليس لها إلا طريق واحد، وهو الطريق الصاعد إلى الله سبحانه وتعالى، إنه يرسم للناس الشخصية الإنسانية المتكاملة التي يجدها متجسدة