محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٠٩ - الخطبة الأولى
بأن وصل إلى الغاية الفلانية، فمن إطلاق الغاية يظهر أن الغاية المعنية والمقاس إليها فلاح الانسان هي غاية ذاته، وكل شيء له غاية، وغاية الشيء أن يكمل، أن يتمّ، أن يستوي.
وكمال الانسان أن تتنضج وتسمو روحه ... أن يكون أكثر علما، أطهر شعورا، أصلح هدفا، أكبر وأصدق رؤية، أسمى هدفا، وكل ذلك يعني أن النفس الإنسانية نمت فنمت رؤيتها، نمت فسما هدفها، نمت فكبر تطلعها، نمت فحسنت نيّتها، نمت فصلح عملها.
ولا طريق لذلك إلا بأن تسلك النفس إلى بارئها سبحانه وتعالى لأن جهة أخرى للكمال غير جهة الله عزوجل مفقودة على الإطلاق.
الهابط في مستوى ذاته إلى مستوى القرد أو الكلب مثلًا لا تقول عنه أنه قد أفلح. الإنسان قد يكون له قصور وحقول، ويكون على تقدم صناعي، وتقدم زراعي، قد يكون أغنى الأغنياء، ولكن قد هبطت ذاته إلى مستوى قرد لا يعرف غير همّ الأرض، ولا يقدِّر غير قيم الطين، ولا يأنس إلا للشهوة المادية. هذه الذّات بعد أن جاءت مليئة بالقابليات الروحية الكبيرة، بعد أن جاءت كنزاً ثراً من قابليات الروح واستعداداتها، جاءت مشروعاً غنياً بالهدايات الإلهية، جاءت مشروعاً لأن يكون على خطّ التربية الإلهية ملكاً وأكبر من ملك؛ هذه الذات وقد كان هذا حالها، وثمّ صارت إلى مستوى القرد لا يعرف إلا أن ينزو على إنثاه، ولا يعرف إلا أن يملأ معدته، ذات لا يمكن أن نقول عنها بأنها قد بلغت غايتها فأفلحت، وليكن بيدها من الغنى ما يكون.
الهابط في مستوى ذاته إلى مستوى القرد أو الكلب مثلًا، لا نقول عنه بأنه أفلح وقد أصاب انسانيته النقص بدل أن تبلغ حدّ الكمال من المعرفة والهدى والطهارة والإرادة الصالحة.
فلاح الذات أن تشقّ الطريق إلى غايتها، وغاية كل شيء كمال ذاته، والإعداد للحياة الأخرى وراء هذه الحياة والتهيؤ لاستحقاق سعادتها، إنما يكون تابعاً لما يتحقق من درجة