محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٠٩ - الخطبة الأولى
تقول الكلمة" إن الله سبحانه أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيرا، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يُعصَ مغلوباً ولم يطع مُكرِها، ولم يرسل الأنبياء عبثا".
" وأعطى على القليل كثيرا":
في تعاملات الدنيا .. كم يبذل الناس وكم يأخذون. الطالب يدرس سنوات متواصلة، يبذل فيها جهداً كبيراً، ويسهر الليالي من أجل شهادة توظفه بعض سنوات، يتأتى له من هذه الشهادة والوظيفة منزل يأوي إليه، لقمة تشبع بطنه، كسوة تكسو ظهره، وما زاد عن الحاجات المعقولة للبدن مما ذكر وأمثاله ينقلب عليه مضرة. كل ما يمكن أن يحصله الإنسان من جهاد الدنيا في الدنيا هو أن يسد حاجاته، وكلما بالغ في اللذات كلما أهلك نفسه وأتلف عمره، وجلب لنفسه المضرة البالغة. هذه هي حصيلة الشهادات، وحصيلة الابتكارات والاكتشافات، والعمل الدؤوب والسهر الطويل، وليس شيئاً آخر على مستوى الدنيا. أما الشهرة فهي وهم؛ فإن الشهرة والجاه لمن كانا له لا يُسكنان ألمه، ولا يفرّجان همه، وقد يكون الإنسان ممن يتقلب في فراشه من مضض الألم وثقل السقم، واسمه مستطير في العالم كله، ولا ينقذه أن اسمه مشهور، وأن له شهرة عريضة في العالم.
ويهجم الهم على القلب، والواحد منا بين أحبته وفي قومه وملأه، وهو محاطٌ بكل الأسباب التي تعطي في الظاهر الأمن، إلا أن كل ذلك لا يفرّج له همه ولا يكشف عنه غمه.
فالعمر حين يُبذل للدنيا ثمنه قليل، والنفس حين تُستهلَك في دائرة الحياة الحاضرة هي نفس رخيصة. فالأثمان في الدنيا بين أهلها قليلة، يعطى الواحد قبال ذكائه وفطنته وحكمته وخبرته وتجربته ودراسته الطويلة- بعد أن تشتريه أمريكا أو روسيا أو أي بلد آخر- ما يوفر له البيت واللقمة والكسوة مما سبق ذكره ولا أكثر، على أنه يكون