محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٥ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات الأعزاء فمع تتمة لحديث الأسبوع السابق في نقاط ثلاث:
الأولى: أرضيتان وحياتان:
نظرة جد للكون، والحياة، والإنسان، والدنيا، والآخرة، لا تستوي ونظرة لعب لكل ذلك، فحياة تقوم على نظرة جد غير حياة تقوم على نظرة لعب. فمن نظر إلى الكون والحياة والإنسان والدنيا والآخرة نظرة جد أقام حياته كلها على الجد، ومن نظر إلى ذلك نظرة لعب جاءت حياته لعباً وعبثاً ولهوا.
أرضيتان يقوم على كل واحدة منهما منهج غير ما يقوم على النظرة الأخرى. نظرة الجد تقوم عليها الهادفية، الاختيار الواعي، المواقف المتدبرة، المسلك الجاد، الرقابة والمحاسبة، الرؤية الشاملة للماضي والحاضر والمستقبل، وضوح المصير، فالمذنب يعرف مصيره، والمحسن يعرف مصيره، اطمئنان للحياة، للوجود، للكون، للحاضر، للمستقبل، احترام للذات وللآخرين، انضباط على الخط الواضح اللاحب. من نظر إلى الكون والحياة والإنسان والمصير نظرة الجد .. فكَّرَ، وتدبَّرَ، وتأمَّل، وبنى مواقفه على رؤية واضحة تمتد إلى المستقبل البعيد، واستثمر الوقت الاستثمار الذي ينسجم مع هدف الحياة، مع هدف الكون، مع هدف الوجود.
أما نظرة اللعب فما يقوم عليها هو اللاهدفيَّة على المدى الطويل، وإذا كان لنظرة اللعب أن تُنبت أهدافاً فهي أهداف اللاعبين، أهدافٌ قصيرة، أهداف كلها تتصرم في الحياة، وتتحرك في دائرة الحياة. أما الحياة في امتدادها الطويل، وجود الإنسان في مستقبله البعيد، فيبقى في نظرة اللعب بلا هدف!
الطفل قد يستهدف من لعبه شيئاً، ولكنه ليس الهدف الطويل، ليس الهدف المستمر، ليس الهدف البناء الذي ينسجم مع ما يقصد إليه العقلاء، وإن كان يأتي لعب الطفل جداً