محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٢ - الخطبة الأولى
منه عبادك المخلِصون، واغفر لنا، وصِرْ بنا إلى ما صار إليه من عاقبة خير، ومنقلب كريم عبادُك الصالحون.
أما بعد فيدخلنا الحديث المتتابع عن موضوع (حضارة الذكر وحضارة النسيان) (الحلقة السادسة) في الحديث تحت عنوان:
حضارة النسيان:-
والنسيان جهل من ناحية القيمة العملية كما تقدَّم، فالناسي لما علم لا رشدَ ولا هدى في تصرُّفه كالجاهل. والنسيان كارثة كبرى إذا كان لما تعني مراعاته الحياة، وإهماله الموت.
والحقائق الكبرى يمثل الالتفات إليها، والأخذ بها في صياغة الذات والمواقف سعادة الأبد ومنها سعادة الحياة، ويمثِّل إغفالها أو نسيانها شقاء الأبد ومنه شقاء الحياة، فإن كان لك أن تنسى شيئاً من الحقائق التي يضرُّ بك نسيانها فلا تنسَ شيئاً من الحقائق الكبرى وأوّلُها الخالق العظيم فتشقى بعذاب مقيم، وخلود في العذاب، على أن أحداً لا ينعم في الدنيا بحق ولا يستريح وهو فاقد لله، خال من الشعور برحمته ورعايته، والذاكرون لله بحقٍّ جنتهم غيرُ منتظرة، وإنما هم يعيشونها في داخلهم حتَّى في هذه الحياة.
والآن إلى عنوان حضارة النسيان:
حضارة النسيان تعني أن حضارة ما تقوم على الأرض، تستهدف أن تنأى بالإنسان عن وعي ذاته، عن ذكر ربه، عن استحضار الحقائق الكبرى التي تجعله على خط العبادة لله، وتترفّع به عن عبادة الطاغوت.
حضارة النسيان تستخدم وسائل شتّى من أجل الإلهاء، من أجل الإغواء، تستلفت نظر الإنسان إلى ما هو عابر، وتأخذ بشعوره عما هو مقيم. تهوِّل له ما ليس فيه هول، وتهوّن أمام ناظريه ما هو عظيم الخطر، الجميل تحوّله في نظر الإنسان قبيحا، والقبيح تحوّله في نظر الإنسان جميلًا.