محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٠ - الخطبة الأولى
كلمة السماء، ووحي الله يقابل باللعب، بروحٍ عابثة، بروحٍ هازلة وهازئة، فليس من جد بعد ذلك. الكلمة تأتي ممن حتى تحترم، إذا كانت كلمة الله إنما تقابل بالهزل والهزل واللاجد؟!
" وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ .."
افصل الحياة الدنيا عن الآخرة تكن قد فصلتها عن الهدف، تكن قد اتخذتها لهواً ولعبا، قد حولتها هزلًا وعبثا، وإن أقمت عليها حضارة المادة شامخةً سامقةً قوية. النظرة التي تتجمد عند الدنيا لا تولّدِ شعوراً بالمسؤولية، ولا تكون رحماً لنظرةٍ خلقيةٍ، وروحٍ مراقبةٍ محاسبةٍ جادة. النظرة التي تتجمد عند الدنيا رحمٌ لا يلد إلا العبثية واللاهادفية، ويولّدِ العدوانية، والاستغلالية، وانتهاك الحقوق والهزو بالمقدسات والمقدرات، وسحق كرامة الإنسان.
الآية الكريمة تقول عن الكفار: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ). الكفار يبنون، يزرعون، يحاربون، ينتصرون، يقيمون حضارةً شاهدةً عن الإبداع، والآية الكريمة تقول: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا)، نعم كل ذلك لعب ما انفصل عن هادفية الحياة، وهدف الحياة لا يسقط فيها، ولا يقع في دائرتها، ولا تجده في نقطةٍ من مداها، هدف الحياة لابد أن يكون في طول مدى الحياة، وغاية كل شيء إنما تأتي في منتهاه.
هذه الحضارة المادية البراقة الأخاذة بكل ما فيها من جدٍ مادي، وتخطيطٍ واكتشافٍ وصراعاتٍ سياسيةٍ وحربٍ وسلمٍ وتقدم، بلا انسجامٍ مع الغاية التي أهّل إليها الإنسان، والهدف الذي تناسب معه قابلياته واستعداداته الضخمة الخيرة، معدودةٌ في نظر القرآن لعباً ولهوا.
(أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) سباقٌ في الأموال، سباقٌ في الأولاد، سباقٌ في خيرات الدنيا. لهوٌ ما انفصل عن هدف الآخرة. وهذا خطابٌ لعاد وقد انصرفوا عن الله، وكانت عقليتهم