محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٥٢ - الخطبة الأولى
تعالوا لا يشغلنا عن يومها شاغل، فإن يوم الرحيل ربما انتزعنا على بغتةٍ من كل شاغل. تعالوا لا نقل للآخرة عندنا مواعيد للدنيا، عندنا مهماتٌ دنيوية، فإن كل ذلك يتبخر حتماً بالموت في لحظةٍ غير محسوبةٍ ولا متوقعة.
يقول رجائي- رحمه الله-:" لا تقل للصلاة عندي شغل، وقل للشغل عندي صلاة".
تعالوا نعمل في الدنيا ونعمرها، ونستخرج خيرات الأرض ونغن بها، ونطلب الصحة والقوة، ولكن من أجل الآخرة.
الموت شيءٌ وهو أن تفارق الروح البدن، والوفاة شيءٌ آخر، وهي أن تُسْتكَملَ الروح قبضاً وحفظا، لتُستنطق وتُبعث، وتُنشر، وتُحشر، وتُجازى، وهما حقيقتان متغايرتان ثابتتان، ومحاولة هروب الشعور منهما لا تغني، ولا يلغيهما أن يُنسِيَ الإنسان نفسه أنه سيموت، أنه سيتوفى، ولن يحمِيَ من آثارها أن يتسلّى الإنسان بالأوهام والآمال.
وفكرة الموت والوفاة في طرح الدين لالتسلبنا راحة الحياة وتقلقنا فيها، ولا لتهير العزيمة، وتقتل الأمل، وإنما لتقوّم الحياة، وتعطينا الطمأنينة، وتنشر العدالة، وتشدّ العزيمة، وتحيي الأمل، وتبعث الرجاء، وترشّد الخطى، وتمنع من الزيغ، وتحمي من الظلم ومن الانهيار، وهي لا تمنع من لذةٍ إلا ما أعقبتها حسرة- أي لذةٍ تمنع منها فكرة الآخرة؟! اللذة التي تعقبها حسرة، هذه اللذة التي تمنع منها لذة الآخرة، وتحول بينك بينها فكرة الآخرة، ولا من خيرٍ إلا ما كان في باطنه الشر.