محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٩ - الخطبة الثانية
وفي الوضع العام فرق بين أن يعترف للمؤسسة الدينية والحوزات العلمية بحقها في الميزانية العامة، وتوضع ميزانية خاصة تحت تصرفها مع الخضوع للمحاسبة، وبين أن يرتبط الوجود الديني برواتب حكومية يرتفع سقف شروطها وموانعها مع مرور الزمن وتكون المدخل للتحكم في الشأن الديني بكامله.
على أنه ليس من مصلحة الدين أن تعتمد المؤسسة الدينية والحوزات نهائيا على ميزانيات الدول، لينتهي ذلك بتجفيف مصادرها الحُرَّة التي وفَّرتها الشريعة المقدَّسة من خمس وزكاة ووجوه قربية أخرى وبتوفير الإمكانية الهائلة للطرف الآخر للضغط على إرادتها الشرعية للحاجة الملحة للمصدر الرسمي، والوحيد في التمويل مما يعني أن شرايين حياتها من ناحية معيشية تكون مجتمعة بيد هذا المصدر وتحت رحمته. وهو مصدر لا يمكن أن يكون مأموناً وموثوقاً على تقدير كل التقلبات والتحولات؛ فإن أُمن منه يوماً فقد لا يؤمن منه في اليوم الآخر، وإن أحسن في حال فقد يسيء في حال.
الحوزة العلمية والمؤسسة الدينية مصدرهما الدائم الذي اختارته الشريعة في زمن الغيبة هو الخمس والزكاة والوجوه القربية الأخرى، فذلك أأمن للدين، وأحفظ لكلمته واستقلاليته. فحتى في فرض أن تخصص ميزانية خاصة من ميزانية الدولة العامة للحوزات والمؤسسة الدينية ومن غير تدخل في شؤونها مطلقا وهو حق لهذه الحوزات فإنه لا يصح في نظري الاعتماد الكلي على مثل ذلك لما يؤول من مثل هذا الأمر من انفراط أمر الدين ٢٨.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين. اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، واجمع كلمتنا على التقوى، وسدد خطانا، ووفقنا لما فيه مصلحة ديننا ودنيانا، وأعذنا من مضلات الفتن، وسد عنا باب الكوارث والمحن يا رؤوف يا رحيم.