محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٤ - الخطبة الأولى
الأرض. هناك إعداد آخر أيضاً في هذا الإنسان يتصل ببنيته مستوياً لا نستطيع أن نفسره في إطار الحياة الدنيا، و إنما يظهر أثره حينما نلاحظ حياة أخرى تعقب هذا العالم.
فالفكر البعيد الذي يتجاوز عالم المادة، والتطلعات الناظرة إلى الغيب، والطموحات المتجاوزة لعالم الدنيا، وهذه الأشواق للخلود الذي لا يمكن أن يحصل في هذه الحياة، أمور من هذا النوع. دوافع وطاقات يحملها وجود الإنسان من النوع الذي يتجاوز بوجوده هذه الحياة لا نستطيع أن نفسرها في إطار حياتنا الحاضرة، كما لا نستطيع أن نفسر كثيراً مما يدخل في بنية الإنسان في مرحلته الجنينية حينما يقتصر نظرنا على تلك المرحلة، هذا بالنسبة للإنسان.
بالنسبة للحياة؛ نجد الحياة فرصة للنمو والتكامل، وهي تعبّر عن مسافةٍ يعني قطعُها بمنهجٍ صحيحٍ الوصولَ إلى أعلى درجة نضج تتناسب وطبيعة المرتبة الوجودية للكائن الحي. صادقٌ هذا بالنسبة للإنسان، بالنسبة للحيوان، بالنسبة للنبات. النبات يبدأ بذرة، وحياته تصل به إلى شجرة مثمرة، الإنسان يبدأ نطفة، وإذا دخلت الروح في الجنين جاء النمو، وجاءت الحركة التي تصل به إلى حد الإنسان السوي، المريد الفعال. هذه هي الحياة، فالحياة موجُّهة، الحياة مهدفة، الحياة قاصدة، والحياة مرسوم لها مسار تصاعدي يبلغ بالحي إلى أقصى درجة نضج يطيقها. فالحياة هادفة، الوجود المادي هادف، الإنسان في وجوده، في تكوينه، هادف كوننا كله هادف.
أما الرسالات فهي أطروحة واحدة من حلقات متلاقية أسساً وثوابت، ومتحركة حسب متطلبات المسيرة التكاملية للمجتمع البشري، من أجل الدفع بحركة الحياة وقيادتها على الخط الصحيح، وتلبية حاجات الإنسان على الأرض، وتكميل ذاته الإنسانية في جميع أبعادها. وهي حركة تغييرية تنطلق من جذور الوجود والحياة الإنسانية، لتصوغ الإنسان على درب التكامل موجوداً عملاقاً مؤثراً.