محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦٧ - الخطبة الأولى
كانت النظرة الأرضية تمزق صفوفهم وتعادي بينهم، ويعيشون من منطلقها الصراع على الأشياء الصغيرة، والقضايا الحقيرة. والإيمان هو الذي وحّدهم بعد الفُرقة، وجمع شملهم بعد الشتات حتى صاروا الإخوة الذين لا يستعلي بعضهم على بعض، ويسوءه أن يصيبه مكروه، ولا يهنئه أن يغنى وهو فقير، وأن يشبع وهو جائع، وأن يأمن وهو خائف، وربما آثره على نفسه، وقدّم حاجته على حاجته.
وأخوة الإيمان التي تستشعرها القلوب، وتجد معناها النفوس، ويعرفها وجدان الإنسان المؤمن يزيدها الجعل الشرعي رسوخاً في العقل والقلب (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ....) ٣
ولا تتخذ حضارة الإيمان من تعدد الشعوب والقبائل، أو تعدد الجنس واللون وما شابه ذلك سبباً للصراع بل تُحلّ محلَّه التعارف والتآلف، وتفتح باب السباق في الخيرات، والكمالات الإنسانية الرفيعة، والكرامة عند الله المرتبطة بتقواه (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ٤
فإذا كانت غاية خلق النَّاسِ شعوباً وقبائل هي التعارف، فغاية التشريع الحقّ لا تختلف عنها بل تتطابق معها.
وخطاب القرآن لرسول الله صلى الله عليه وآله أنه رحمة للعالمين، ولا يكون كذلك إلا بهداهم وتوحيدهم، والمساواة بينهم في العدل، ووضعهم جميعاً على طريق الصلاح والفلاح والسعادة بعيداً عن الاعتبارات العنصرية والقومية والجغرافية واللغوية وغيرها (وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) ٥
٢. اعتراضان:-
الدعوى بأن حضارة الإيمان لا يترشح عنها إلا علاقات إنسانية إيجابية خيّرة، وأن