محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٣٤ - الخطبة الأولى
أما بعد يا أخوةَ وأخواتِ الإيمان فوقفةٌ مع بعضٍ آخر من روايات العقل:
" لايستعان على الدهر إلا بالعقل" عن علي عليه السلام ٣.
- مشاكل الحياة لاتنتهي، وتشابكات الأمور فيها الغموض على الكثير، والانفعال كثيراً ما يؤزّم القضايا، ويسد أبواب الحل، ولئن احتاجت الحياة إلى الحماس- وهي محتاجة له- فإنها أحوج إلى إعمال العقل والحكمة، ومخزون التجربة، والدراسة والتأمل، ومحاكمة الأمور لاستخراج الرأي الأكثر صواباً، والأشدِّ استقامة. وكل مجتمع محتاجٌ إلى عقلاء لاتغلب عقلَهم عواطفُهم، ولايفقدون الحكمة في إعصار الأحداث الكبار.
والعقل الذي يُخاض به غمار الحياة بمواقفها العملية التفصيلية في دائرة العلاقات الاجتماعية والسياسية وغيرها فيستعانُ به كثيراً على مواجهة التعقيدات المستجدة هو ما تقول عنه الكلمة عن الإمام علي (ع)" العقل حِفظ التجارب، وخير ما جرَّبتَ ما وعظك" ٤.
وحِفظ التجارب لايعني ضبطها في الذهن أو الورق وإن كان منه ذلك. حفظ التجارب يعني كذلك الاستفادة من مخزون التجربة، وتفعيل التجارب الماضية في المواقع والمواقف والأحداث المستجدة.
إذا كان المرء بعد تجربة الأربعين سنة يُقابل الموقف كما كان يقابله ما قبل أربعين سنة من عمره بالفجاجة نفسها، والانفعال نفسه، ودرجة التفكير نفسها فإن سجلّ تجاربه قد ذهب هباءً، فالمهمُّ في التجارب أن تُستحضر بكاملها في الموقف الجديد، وأن تُتّخذ المواقف المستجدة في ضوء كل التجارب وإن تقادمت.