محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٠ - الخطبة الأولى
هل لك إلى أن تتزكى؟" وَ أَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى؟". أهديك هذه الهداية التي تعرفك بالله سبحانه وتعالى المعرفة العميقة المستقرة التي تخرجك من رجسك وترتفع بك، وأنت لو عرفت الله لخشيته. أمر الهداية من هذا النوع .. مترتب على التطهر والتزكي من الرجس .. من الإصرار على الذنب .. من الإقامة على معصية الله سبحانه وتعالى. وفرعون كان يقيم على معصية الله ويكابر، فكان عليه- حتى ينفتح أمامه باب الهداية الخاصة- أن يخرج من الإصرار على الذنب، من الإقامة على مكابرة الله سبحانه. وهكذا كلّ من أصر على رجسه والإقامة على استكباره لا يعرف الله معرفة نافعة مربية، ومؤدبة ومكملة ومقربة.
٦- وعجيبٌ كل العجب ألا يعرف المربوب ربه!! كيف؟ أنا مربوب يعني كل لحظة من وجودي هي من عطاء ربي، وكل شيء من قواي هو من مدد ربي. الطفل يعرف أمه وهي تحتضنه، ويعرف حاجته إليها، ويرتمي في حضنها. النبتة تحس بحاجتها إلى الأرض التي ترتكن إليها. وأن ليس هناك مستند .. ليس هناك مرجع لوجودي .. ليس هناك فاعلية تمدني بالوجود وبالعطاء إلا فاعلية الله سبحانه وتعالى. كيف يغيب عني هذا؟ أنا أحس بالأرض التي لي بها نوعُ علاقةٍ أخفُ من علاقتي بالله .. أحس بقيمة شجرة التفاح التي تعطيني التفاح .. أحس بقيمة الدينار الذي في جيبي والذي ييسر لي أن أُشبِع به بطني .. كيف لا أشعر بعلاقتي بالله؟! نعم .. وعجيب أن لا يعرف المربوب ربه، ولكن الحاجب عظيم والقلب قد عمي!
ومن عرف الله وقره وشكره ورجاه وخافه واستقام." هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَ أَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى" تترتب على المعرفة نتيجة الخشية، والخشية مصدرها التوقير، ومصدرها الرجاء، ومصدر كل ذلك الشكر، ومصدرها معرفة عظمة الله، والخشية تثمر الاستقامة.