محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩ - الخطبة الأولى
في علمه السياسي والاقتصادي، وليست في موقعه الاجتماعي، وليست في أي شيء من المظاهر، إنما إنسانيته في مستوى روحه .. مستوى شعوره .. مستوى أهدافه .. مستوى طموحاته، في نقاء قلبه، في طهره، في صدق رؤيته الكونية، في توفره على الارتباط بالحقائق الكبرى.
٥- هنا أكثر من إلفات، من أصر على رجسه والإقامة على استكباره لا يعرف الله معرفة نافعة مربية ومؤدبة ومكملة ومقربة. هناك معرفة سطحية بالله .. أعرف إجمالا وبشكل لا يكاد يحضر في النفس إلا لمما .. أن لهذا الكون خالقاً، هذه المعرفة لا تكاد تبني .. تربي .. تصنع .. تصوغ. هناك معرفة من مستوى آخر، معرفة الله عز وجل خالقاً لا خالق معه، فاعلًا لا فاعل معه، فاعليته يقوم بها الكون كله، علمه حاضر، قدرته ممتدة إلى كل شيء، ولا شيء إلا بقدرته، فِعلي في الأخير مستند إلى إرادته، كل شيء في هذا الكون راجع إليه، لا شيء يمكن أن يقع في الكون أبداً من دون إذنه. أرى الله عز وجل علماً مطلقاً، فاعليةً شاملة، أرى الله سبحانه وتعالى تدبيراً حكيماً، حكمةً بالغة، أرى الله سبحانه وتعالى كاملًا كمالًا مطلقاً، ولا شيء من الوجود إلا وهو راجع إليه، أرى الله عز وجل نوراً لا ينطفئ، وأن الكون شيء بسيط من نوره .. لا بقاء له لحظة عين لولا مدد الله ولولا فاعليته، أرى الله عز وجل معي في يقظتي ونومي .. في شدتي ورخائي، أرى كل شيء محتاجاً إلى الله سبحانه وتعالى من ضعيف ومن قوي، أرى الله عز وجل مالكاً ملكية ليس لها حد ولا منتهى. هذه المعرفة هي التي تصنع .. هي التي تربي .. هي التي تصوغ .. هي التي تكمّل .. هي التي ترتفع بمستوى الإنسان حتى يرى نفسه لا يساوي شيءٌ من هذا الكون المادي نَفَساً تسبيحياً منها، ويرى أن كل سعادته في ارتباطه بالله سبحانه وتعالى. هذه المعرفة تحتاج إلى تزكية، و لا يمكن أن تتأتى لنفس تقارف الذنوب وتصر عليها.