محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٥ - الخطبة الأولى
١- أمر عباده تخييرا:
من الأوامر ما هو مستحب على المستوى التشريعي، ومنها ما هو واجب، ومن النواهي على المستوى نفسه ما يعني الكراهة، ومنها ما يعني التحريم. أما من ناحية ما أعطي الإنسان من قدرةٍ على الفعل وعدمه، وعلى أن يقرر الاستجابة لله وعدمها، وعلى أن يطيع أو يعصي، فهذه الأوامر حتى ما كان إلزامياً منها على المستوى التشريعي يكون تخييرياً.
أنت ملزَم شرعاً بأن تفعل إذا كان الأمر واجباً، لكن من حيث قدرتك على الفعل وعدمه، ومن حيث ما أعطاك الله عز وجل من إرادة ومن قوى، تستطيع أن تفعل فتطيع، وتستطيع أن لا تفعل فتعصي. والكلمة تعني أن الأوامر الإلهية تخييرية من ناحية قدرة الإنسان التكوينية على الفعل وعدمه .. على الاستجابة وعدمها .. من ناحية الإرادة التي وهبها الله عز وجل لهذا الإنسان بأن يفعل أو لا يفعل.
ولولا هذا التخيير، ولولا هذا الإقدار على الفعل وعدمه- من حيث ما رزق الإنسان من إرادة، ومن حيث القوى التي وفَّرها الله سبحانه وتعالى له- لبطل التكليف. فإن المسألة لو كانت جبرية لم يكن معنى لأن يأتي رسل، وتنزل كتب، وتكون خطابات، ولبطل الثواب والعقاب كذلك. يبطل الثواب بما هو ثواب .. نعم، يمكن أن يحسن الله سبحانه للعبد حتى لو لم تكن منه طاعة وحتى لو كان مجبورا، أما عنوان الثواب والجزاء فلا يتحقق إلا بأن يكون الإنسان قادراً على أن يفعل وأن لا يفعل، فاختار الفعل في مقام الأمر، واختار عدم الفعل في مقام النهي. فالإمام علي عليه السلام في هذه الكلمة الواردة عنه ينفي مسألة الجبرية عن الإنسان، ويقرر أن الإنسان مختار في مسألة الطاعة والمعصية لله في مورد التكاليف. فهناك مساحة للتكليف، هذه المساحة للتكليف .. الإنسان فيها قادرٌ على أن يطيع وعلى أن يعصي.