محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥١ - الخطبة الأولى
لابد أن تنال اهتماما أكبر عند العاقل لموقع تأثيرها المتميز، ولعروض الغفلة عنها ١
فالله العظيم سبحانة وتعالى أقرب الحقائق لنا تأثيراً وفاعلية ولا وجود لنا ولا حياة للحظة وأقل من لحظة إلّا به ومع ذلك تغفل عنه كثيراً، وننسى سلطانه علينا كثيراً لنقص في نظافة القلب، وصفاء الروح، وزكاة في النفس. الحقيقة ذات التأثير الكلي على الإنسان والغائبة عنه عليه دائماً أن يتذكرها عليه دائماً أن يستحضر وجودها الهائل الذي لا يقاس عليه دائماً أن يطلب رضاها عليه دائماً أن يشتغل قلبه بها لأن انصراف هذا القلب لحظة عمن يملكه وعمن يقربه إعراض القلب لحظة غفلته لحظة تعني انفصاله عن مصدر الفيض بالنسبة إليه عن مصدر العطاء عن القادر المطلق سبحانه وتعالى. إن الحقائق الغيبيَّة المؤثرة في وجودنا وحياتنا ومستقبلنا كثيراً وعلى رأسها الله سبحانه وتعالى المالك المطلق لكل مخلوق والمهيمن المطلق على كل شيء يتطلب استحضارها والتعامل اللائق معها حضوراً واعياً دائماً، يعيشه القلب، وصفاء وشفافية تتمتع بها الروح، لأن ما يمكن أن ترى به حقائق الغيب بدرجة وأخرى إنما هي عين القلب وناظرة الروح.
وهناك حضارتان، حضارة تعمل ليلًا نهاراً على فصلك عن وعي الحقائق الكبرى وإلهائك عنها، على أن تشغلك بحدث بسيط دوني، وتستهلكك، وتستغرقك وتنتهبك عن وعي ربك، وعن وعي ذاتك، وموقعك، و دورك، ونهايتك. ونحن في الكثير نستغرق في أحداث صغيرة، وفي علاقات محدودة وفي هموم حقيرة بحيث ننسى الله، وننسى ذواتنا، وننسى المصير الخطير، وننسى كل مهم. تستحوذ علينا مشاعل من مشاعل الأرض، وقد تستحوذ علينا أحداث لا تمس حياتنا بشيء، وقد تكبر في نفوسنا أحداث لا تعود علينا بشيء، ونكون في متابعة دائمة لهذه الأحداث منصرفين ساهِين لاهين عن يومنا، وعن غدنا، وعنذواتنا وعن ربنا الجليل سبحانه وتعالى. الحضارة الإسلامية لا تلهيك بالصغير عن الكبير، وبالحقير عن العظيم وبما هو منقطع عمّا هو دائم، وبما هو بعيد عن ما هو