محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٦ - الخطبة الأولى
بحسب مرحلته. وفي لعب الطفل إعدادٌ له للحياة، وما هو لعبٌ في حق الكبار قد يكون هو عين الجد في حق الصغار، أما أن الكبير يصير صغيراً بأن تكون أهدافه صغيرة قصيرة منقطعة فتلك الكارثة، وذلك هو الجنون، وذلك هو السفه.
نظرة اللعب تقوم عليها اللاهدفية على المدى الطويل، وأهدافها وهمية، كهدف الخلود من خلال بقاء الاسم، من خلال بقاء البنايات الشامخة، من خلال تخليد الجندي بتمثال للجندي المجهول. كل ما نخلفه من ذكر، كل ما نخلفه من أثر لا يمثل شيئاً بالنسبة إلينا إذا لم ينقذنا في الحياة الآخرة، ولا يمثل لنا بناءً مستقبلياً رابحا.
مما يقوم على نظرة اللعب للكون، للحياة، للإنسان .. عبثية الحياة في مسلك الإنسان، ولا قيم في خط هذه النظرة، والنظرة على هذا الخط للذات وللآخرين نظرة ازدرائية، نظرة احتقار.
أنا لما أنظر لنفسي حيواناً لا أكثر، وأنظر لوجودي بأنه وجود ستين سنة ثم يتحول إلى جيفة وتراب وذرات منتشرة ضائعة في الكون العريض، فما هي تلك القيمة لهذا الوجود؟ المرء لما ينظر إلى نفسه جسداً، والجسد بين نطفة وجيفة، وهو على هذا الخط إناءُ عذرة، ما قيمة هذا الإنسان؟! من عمي عن أن ينظر إلى ذاته النظرة الصحيحة الإلهية، والنظرة الفطرية، على أنه شعاع من نور الله سبحانه وتعالى، على أنه عقل، على أنه ضمير، على أنه روح متصلة بفيض الله سبحانه وتعالى، وقادرة على أن تعبر المسافات الطويلة إلى منازل الكرامة عند الله، من لم ينظر إلى نفسه هذه النظرة فما قيمته؟! أهو أكبر وجوداً من ثور هائج؟ أو من حشرة راكنة؟ لا أرى للإنسان وجوداً أكبر من الحيوان حين تتخلى نظرته عن وجوده الروحي، وعن وجوده الشعاعي، وعن نور الفطرة في داخله.
هذه النظرة- نظرة اللعب إلى الكون والحياة والإنسان- تنبثق عنها كما سبق نظرة