محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٣ - الخطبة الأولى
يصنعها ولا تملكه، ويبقى له توازنه واتزانه في كل الظروف هو صناعة حضارة الإيمان والقرآن كما تقدم.
أما إنسان حضارة الطين المصنوع على يدها فهو إنسان ضعيف مهزوز في إنسانيته، يمكن أن يصنع القوة في الخارج لتثير فيه الغرور والطيش والجنون، وأن يتقدم على يده البناء المادي ليطيح بإرادته وإنسانيته، ويسترقَّ وجوده، ويُقزِّم معناه.
وإليك طائفة من الآيات التي تُقدِّم صورة عن إنسان الحضارة المادية فيما يخسره من إنسانيته، ويفقده من معناه، ويعتريه من نقص في قيمته بالقياس إلى ما عليه واقع تكوينه وفطرته.
تقول الآية الكريمة (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) ١.
المخاطبون للآية الكريمة فيما يظهر الكفارُ ومنافقو ومنافقاتُ هذه الأمة. (الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ٢.
وما خاض فيه هؤلاء هو عداوة القيم السماوية الرفيعة ومواجهتها وهؤلاء، وهم أصحاب الاتجاه المادي، يستمتعون بنصيب من المادة يكون لهم في الدنيا ولكن أعمالهم محبطة لا تغني يوم القيامة حيث النظر إلى الروح والمعنى لأنها تهدم صاحبها ولا تبنيه، وذاته خاسرة تفقد من خير غَنَتْ بها فطرتها، ويلمُّ بها نقصٌ شديد.
وفي معرض الحديث عن قوم عاد، وحضارتهم من حضارة الطين، وفي خطاب للكفار زمن القرآن يقول الكتاب الكريم (وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَ أَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا