محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٨ - الخطبة الأولى
أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَ يَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً) ٣. وا ثبوراه وا ويلاه!، (.. وَ يَصْلى سَعِيراً)، ناراً تتلظى.
الكدح يقولون عنه بأنه السعي، سعيٌ مع معاناة، سعيٌ في جُهد، سعيٌ جاهدٌ يستتبع جهداً، والجَهْدُ التعب، والجُهْدُ الطاقة. (.. إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ ..) الحياة مسرح كدح، مسرح معاناة، مسرح مكابدة وعملٍ جاهد.
يا أيها الإنسان قد تكدح لشقائك، وقد تكدح لسعادتك، وما أشده من غباء، وما أشده من ضلال أن يقضي الإنسان حياته جاهداً متعباً مرهقاً نَصِبا، لكن من أجل أن يشقى، من أجل أن ينتهي إلى النار. يخترع، يبتدع، يبني قصوراً، يحارب، يعمل ليلًا ونهاراً، من أجل أن يشقى، من أجل أن يخزى، من أجل أن يتعذب عذاب الأبد. وقد يكون هذا الكدح كدح سعادة، وما أجمل أن يكدح الإنسان لغاية السعادة، إنه كدحٌ شهي، وجهدٌ مرضي، وجَهدٌ لا يٌشقي إذا كان منتهاه السعادة.
أنت بكدحك، بما ينتهي إليه كدحك من أوزار، بما ينتهي إليه كدحك من أرباح، لابد أن تنتهي إلى الله، المرجع إليه لا إلى غيره. لن تجد سبيلًا تسلك بك غداً إلى غير الله، وتفرّ بك من عدالة الله، وتقدم لك ملجأً دون الله.
ويأتي الجزاء (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) فيه تخفيف، فيه مساهلة، فيه تيسير، فيه رحمة، فيه تكريم. (.. وَ يَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً) قالوا عن أهله في تفسيرٍ من تفاسيرهم أنهم الحور والغلمان وفي آخرالملأ الطاهر، الذين يصير إليهم في الجنة.
(وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً)، نهاية الكدح والشوط الطويل والمعاناة المرة هو الدعوة للثبور. نتيجة العقلية الضخمة! الجهد المستمر، العبقرية