محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٣٦ - الخطبة الأولى
الأمور الصغيرة. وأصل تضحية المؤمن بالكثير من الدنيا لهذا الوجه، لماذا يضحي المؤمنون بكثير من أمور الدنيا، وبكثير مما هو خير دنيوي؟ لهذا الوجه ٨، وباعتبار أهمية الآخرة.
ونقرأ الكلمة عن الإمام الكاظم عليه السلام" إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا من الفضل، وترك الذنب من الفرض" ٩.
تركان: ترك للحرام، وترك للتزيّد من الحلال والتُّخمة منه. الترك الأول فرضٌ، والتخلي عنه فيه العقوبة. والترك الثاني فضل وكمال، وفي تضييعه حرمان. وما أشد الحسرة في المعاد لأيام تأكلها الدنيا، وتضيع في جمع المال للمال فضلا عن جمعه للمُتع الحرام.
ولنعرض قول أمير المؤمنين علي عليه السلام على نفوسنا نزِنها به" إن العاقل من نظر في يومه لغده، وسعى في فكاك نفسه، وعمل لما لابد له منه، ولامحيص له عنه" ١٠ عامل، فلاح، عالم، خبير، سياسي. طالب ... أياً كان الإنسان إذا كان مرمى نظره الدنيا، وهمُّه حبيساً فيها، ونفسه أسيرة لها، وعمي عن مستقبلٍ كل لحظة من العمر تأخذ به إليه، وتقترب به منه، ولا حيلة له في التخلف عنه، أو تأخيره، أو الفرار منه وهو مستقبل قادم، ومستقبل كبير خطير فلا عقل له.
دنيا معجّلة. وآخرة مؤجّلة، ولكن هذه الدنيا لاتكاد أن تكون لها نسبة إلى تلك الآخرة، كل العمر مئة سنة، اجعله مئة وخمسين سنة، ما حصيلة لذّاته؟ وما حصيلة غصّاته؟ وكم سيستمتع الحي فيها، قس مئة وخمسين سنة بما هي عليه من واقع اللذة والمنفعة والألم والمضرة إلى أبد لاانقطاع له، والآخرة ابدٌ لاانقطاع له.