محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٥ - الخطبة الأولى
وإذا كان نصيبه في هذه الموارد الخور في الإرادة، وغياب العقل والدين، وانطفاء نور الهدى في نفسه، والشطط في القول والفعل، والهزيمة أمام الهوى كان عليه أن يعرف أنه عبد نفسه وأسير هواه، وأنه أهدر عمراً لم يبنِ فيه ذاته، ولم يحقق نجاحاً في حياته.
فالنجاح أن تفلح النفس، أن تهتدي، وتكبر وتعظم وتستقيم، وتُقبل على الخير، وتدبر عن الشر، وتتحرر من الهوى، وتستجيب واعيةً للرب، وتستذوق الجهاد والتعب في طلب الكمالات والمعاني الرفيعة التي لا تُنال إلا على طريق الله، الجليل الجميل، العلي العظيم.
وإنه على محك فتنة الرغبة والرهبة، والشهوة، والغضب والرضا تظهر حقيقة الذّات لصاحبها وغيره، ويعرف أحدُنا نفسه وقيمة صلاته وصومه وكلَّ عبادته وسعيه وعلمه في ما مضى من عمره، وأنه قد أعطى العبادة حقّها، أو كانت عبادته هزواً، وأن قد أحسن صنعاً أو أساء عملًا.
٣. ولا يملك إنسان نفسه ليربح حياته، ويحقق فيها غايته حتى يخوض مستمراً معركة الجهاد الأكبر في داخله مراقباً منبهاً، معاتباً، لائماً، موبخاً، واعظاً، مستثيراً، مشجعاً مذكراً، معلماً، مستنهضاً، محذِّراً، منذراً، مبشراً، موجهاً، معانداً، مكابراً؛ فإن أساءت النفس عاتب ولام ووبّخ، وإن غفلت نبه وذكّر، وإن جهلت علّم ووعظ، وإن تلكأت عن الخير استثار واستنهض ودفع، وإن وفّقت لفضيلة بارك وشجع، وإن تطلّعت لرذيلة حذر وأنذر، وإن ألحت على الشر واجه وعاند وكابر.
وجهاد النفس ترويضها على التقوى، وحملها على الخير، وتصبيرها على الفضيلة، ومخالفتها في ما دعت إليه من شر، وفي ما تطلعت إليه من سوء.
والنفس يقوى خيرها بالجهاد، وتشتد عزيمتها على الفضيلة بالترويض، وربما انتهت بطول مسيرة المجاهدة، والمثابرة في منازلة الهوى إلى مفارقة الشر وكرهه وبغضه والتبرؤ