محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٥٠ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات الأطايب، فإن يوماً ينتظرنا على كل طريق، ونحن نسعى إليه بكل نفسٍ في زفيرٍ وشهيق. يومٌ لحياةٍ بين حياتين، هما: حياة الدنيا وحياة البعث والنشور والقيام. حياةٌ هي برزخٌ بين الحياتين، فمتى لحظة هذه الحياة؟! لا أدري، لا يدري، لا تدري. الكل في توقعٍ، والكل في انتظار، والباب قد يطرقه طارق الرحيل في أي لحظةٍ من ليلٍ أو نهار، وكل ساعة، بل كل لحظةٍ وطرفة عين يحتمل فيها النداء بالرحيل. وما الأمر إلا كن فيكون.
وقد ينسينا الأمر الكبير هذا تدفق حيويةٍ في شابةٍ أو شابة، طموحات الدنيا، صراعاتها، هموما، ومشاكلها، ومآسيها .. ولكن وإن نلبث كذلك غافلين، لابد أن تستلفت نظرنا خاطرة النداء بالرحيل، ولحظة الإرغام على مغادرة هذه الحياة. هناك لحظة نرغم فيها على مغادرة الحياة، خاطرة هذه اللحظة تدخل القلوب بين حينٍ وحين، وتفرض نفسها عليّ وعليك بين فينةٍ وأخرى، لتستبدّ بنا مشاعر عالمٍ آخر، لا يبقى لنا فيه شيءٌ من ضرورات دنيانا الحاضرة، التي نجمع لها ونسعى وراءها بكل جدٍ واجتهاد فعند مفارقة النفس الأخير تنقطع حاجاتنا في هذه الدنيا، فلا حاجة إلى طعامٍ ولا شراب، ولا هواءٍ، ولا غرفٍ، ولا أسرّةٍ، ولا لباسٍ، ولا رياش. وعندئد لا هموم من هموم الدنيا، ولا معاناة من معاناتها، وإنما تستجد مكانها همومٌ وأحزانٌ ومخاوف مما يتصل وشأن الآخرة، وعالم الروح وما يناسبهما.
متى لحظةٍ الموت؟ أبعد خمس دقائق، أبعد عشرين سنة؟ لا أدري، لا تدري، لا يدري. وسواءٌ نسينا يوم رحيلنا من هذه الحياة أو كنا على ذكرٍ دائمٍ منه، فإنه يوافينا ونوافيه، وهو قدرٌ جارٍ علينا لا يدفع ولا يمنع، ونحن ليومنا مودعون، وعلى غدنا مقبلون.