محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢١ - الخطبة الأولى
الإنسان في الحضارة المادية صغير، ليس هو أكثر من آلة، أكثر من لذّة عابرة، من حيوان تكاد تستوي حاجاته وهمومه وتطلعاته مع أدنى حيوان وحشرة ودودة في الأرض.
ب- حضارة الإنسان:-
هذه الحضارة تنظر إلى الإنسان أكثر من كونه شيئا من الطين، وأكثر من كونه روحا تعطي التراب نموّه وحركته. إنها ذات نظرة تضيف إلى ذلك روحا كثيرة الشوق إلى الله، شديدة التطلع إلى التشبّه بأسمائه الحسنى، لا تستريح إلا في ظل معرفته، ولا تأنس إلا بذكره، ولا تقتنع من ذاتها إلا بقربه، ولا تستغني عنه بكل ما سواه، ولا تفتقر إلى ما دونه ما وجدته وعرفته وشعرت برضاه.
هذه الحضارة تتحرك بالمادة على طريق نموّها وتقدّمها، وتثري الحياة بالحركة والنشاط، وتقيم على الأرض واقعاً عملاقا أكبر ممَّا ما تصنعه الحضارة المادية من واقع كبير على الأرض.
لكنّ الواقع الأكثر تعملقاً، والأكثر ترسّخاً، والأكثر بسوقاً والَّذي تصنعه حضارة الإنسان- المقابلة لحضارة الطين- على الأرض واقع منشدّ إلى القيم، وشاهد على الرسالية، وناطق بقيم الخلق والدين، ومتسام بالوضع المادي الكبير المصنوع على يدها بدل أن تخسر قيمها بالوقوف عنده والذوبان فيه، فتتمرّغ في الطين، وتبتلي ببلادته، ويستولي عليها جموده، وينقطع بها عن الأفق اللامحدود، والنور الذي لا يتوقف، ولا يأتي عليه شيء من النهايات.
الإنسان بروحه الشفافة ورؤيته الكونية العميقة الواسعة الأصيلة، وشعوره الصاعد إلى الله، وشوقه وولهه المتعلق بعظمته، الإنسان بذاته المعنوية الفياضة بالخير، بالحب الطاهر، بالوعي الرشيد، بالعدل، بالإحسان، بالرحمة، بالعطاء، بالإيثار هو الهدف في هذه الحضارة.
أما النمو المادي، ومتع البدن مما يقع وسيلة فيها لصناعة الإنسان الكبير في عقله