محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٢ - الخطبة الأولى
العارف بالله، وفي روحه المنفتحة على هداه، وقلبه المليء بالخير، وذاته الزخّارة بمعاني الرفعة والسمو، والتطلعات الإلهية الكريمة.
الإنسان في هذه الحضارة ينشدّ بالأرض إلى السماء، يرتفع بها إليها، يقود الحركة فيها على ضوء قيمها، يخصبها بالخير من منهج تلك القيم، يفرشها عدلا وأمانا وسلاما، وفيوضاتِ بركة بتعاليم المنهج الإلهي ووصاياه الكريمة، وأخلاقيته الرفيعة، وشريعته السمحاء الهادية العادلة المثرية.
الإنسان في هذه الحضارة لا يسقط مستواه الخلقي، ولا ينهار في معنوياته، ولا يخسر ذاته المشعة وفطرته الهادية القويمة ليجد نفسه من بعد ذلك عاجزا عن الأخذ بمنهج السماء، والإيمان بمنظومة قيمها حتى يكفر أو يستنزل السماء إلى الأرض فيكون إلهه من مستوى الطين، ومعبوده مخترعاً من حجم المادة، وهي النتيجة الحتمية لمناهج الأرض وأطروحات الإنسان البعيد عن الله، وهي النتيجة التي تنتهي إليها حضارة التراب بقصورها وجمودها وجهلها ووضاعتها.
ومن عناوين هذا الموضوع بعد الكلمة التمهيدية له:
حول الإنسان:
الحديث هنا عن الإنسان باني الحضارة، ومشيد عمارتها، والذي لابد أن يكون هو هدفها، وأن يكون محل عنايتها، وأن يكون مشروعها الكبير، هذا الإنسان ما حقيقته؟
(إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ)
الطين بالحياة يغنى بالحركة والنموّ، ويزخر بدوافع ورغائب وحاجات ومشاعر ومطامح من طبيعته المادية، فالإنسان في جزء من واقعه هو كل هذا الاتجاه المادي الذي يفرض نفسه عليه بدرجة وأخرى، ويحكم وجوده، ولا يسع أحداً التنكّر أو التحرر