محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٠ - الخطبة الأولى
عن الالتفات إلى صالحه. والمخبر بهذا من هو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.
(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) ٢٨/ النساء.
الإنسان بشهواته، بجانبه الذي يشدّه إلى الأرض من دوافع ورغائب ومطامع وتطلعات مادية ضعيف أصلا على قوته، وبقطع النظر عن عطاءات تربيته، وآثار منهجه.
وهو ضعف يقابله التخفيف في التكليف، ومراعاة التعثرات على الطريق. فالتكليف للإنسان جاء ملتفتا إلى ضعفه، غير مثقل عليه، محرج له، مسبب له الفشل في تحمله. كما أنه لم يهمل حاجات تربيته، وما به تقويم عوجه فيسبب له التسيُّب، وزيادة الضعف والاهتراء على ضعفه.
والآية الكريمة الأخرى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ٦٦/ الأنفال.
مع ما في الإنسان من ضعف خلقة لشهواته، وضغط ما كان ماديا من دوافعه وغرائزه يأتي عليه ضعف زائد بإهمال نفسه، وتسيبه، وعدم أخذه بالجد في تربيته، وهو ضعف متنام مع الأيام ما دام لا يجاهد النفس، ولا يقاوم الضعف، ولا يبني جانب الإرادة الصالحة في ذاته.
وقد يقوى بإيمان، وجهاد، وعمل صالح، ومقاومة لروح الانحطاط والتسيّب، ثم يتراخى ويلين ويقل استمساكه بالمنهج القويم فيطرأ عليه ضعف بعد القوة، ووهن بعد الشدة، ويفقد من درجة تحمُّله، وقدرته على النهوض بأعباء المسؤولية، وثقل التكليف ما يفقد.
فلقد كان المؤمنون في أوج إيمانهم، وسمو روحيتهم، وصلابة استمساكهم بمنهج الله الحق، وما يعطيهم ذلك من صبر وصمود وثقة كبيرة وإصرار صاعد، العشرون منهم يغلبون مائتين، والمئة يغلبون ألفا من الكافرين، فالواحد من أهل الإيمان في درجة عالية