محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٩ - الخطبة الأولى
وحياة الاضطراب والقلق، وفقد الثقة، والانشطار الداخلي عند النفس مما يُقلقها ويفزعها ويجعلها تعيش المعاناة. لا ينقذ من هذا السوء الدنيوي، ولا ينقذ من سوء الآخرة إلا منهج واحد هو منهج الله الذي يقوم على ذكره، ويقود الحياة في اتجاهه سبحانه وتعالى.
هذا جزاء دنيوي؛ وعن الآخرة:
(... وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) فلا تدخل اليوم في رحمة الله، وهو يوم الفزع الأكبر، يوم لا سند، ولا معتمد، في يقين النّاس إلا الله. في الحياة الدُّنيا وفي الآخرة لا سند ولا معتمد إلا الله، إلا أن النفوس تؤمن بهذا تمام الإيمان وتتيقّنه في يوم الآخرة حين ينكشف الغطاء، وتسقط كل الأصنام، وتذهب كل الأوهام، وتنحسر كل الأخيلة، ويبدو كل شيء عملاق كان يعبده الناس قزما بل لا شيء على الإطلاق، ويسفر في كل نفس أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
في ذلك اليوم يأتي الناسي لآيات الله في الدُّنيا الخطاب: (... وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى).
لا ننسَ الله، لا ننسَ الآخرة. اللهم لا تنسنا ذكرك، ولا تصرف وجوهنا عن وجهك الكريم، ولا تصرف وجهك الكريم عنا.
(فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
كان عملهم عملَ الناسي لله، الناسي لنعمه، الناسي لعظمته، الناسي لحقّه، الناسي لقدرته، الناسي لجبروته وقهره، الناسي لجماله وجلاله وكماله.
(.. رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ..) هنا مؤاخذة على هذا النسيان، مؤاخذة دنيوية، ومؤاخذة أخروية، والعبد الذي يفيق على خطئه، ويلتفت إلى تقصيره يُنادي: (.. رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ..).