محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٩ - الخطبة الأولى
هذا المال لم يبذله صاحبه في معصية، ولكنّه أنفقه لغير هدف بنّاء، وربّما أعطى منه الغير ولكنّه لم يعطِ منه من منطلق الإنسان الواعي الرسالي الذي يلحظ الآخرة وهو يتعامل مع الدنيا.
هذا المال جهدك وجهد الآخرين، وعرقك وعرق الآخرين، هذه الورقة النقديَّة ليست ورقة، هذه الورقة تتلخّص فيها أيام وليال، وهي تعني جهدا وعرقاً، وقد تعني معاناة فكرية ونفسية، فأنت حين ترمي بهذه الورقة الصغيرة، وحين تضعها في غير موضعها فقد وضعت كل ذلك الجهد والمعاناة والنصب والفكر في غير موضعه.
وربما رفع الإنفاق لغير وجه الله سبحانه ذكر صاحبه في الناس، لكن من السفه الشديد أن يبيع الإنسان رفعته عند الله برفعة في الناس، بل يطلب أن يكون الوضيع عند الله بأن يرتفع عند الناس، وهل وجدت من الناس لجأً في شدة من الشدائد بلا فضل من الله؟ وهل لجأ الناس كل الناس عند الشدة إلا إلى الله؟!
" أمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدِّم الفضل ليوم حاجتك". عندك ضرورات تتوقف على قضائها حياتك، حياة ولدك، وحياة زوجك، بذل المال الذي يتوقف عليه قضاء الضرورات البالغة فضلا عن كونه غير مطلوب هو مرفوض في الإسلام. صحيح (وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) وهذا خلق عال كريم، ولكنّ القاعدة لاتجيز لك أن تقتل ولدك بحياة الآخرين.
افرض أن هذه الحفنة من المال لا يمكن لها إلَّا أن تقيم أَوَدَ عائلتك التي لاتجد سبيلا آخر لحياتها في هذا الوقت، فبْذلُك هذا المال إلى الحسينية، وإلى المسجد في غير موضعه. ابدأ بعائلتك، لكن ليس إلى الحد الذي يصرفك عن الإنفاق والمشاركة في الشأن الاجتماعي العام وفي الشأن الرسالي وحفظ الدين، وأن يصل الأمر إلى عدم استقرار الدينار في يدك مع تضور أولادك وزوجك فهذا غير صحيح.