محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٥ - الخطبة الثانية
المسجد في نفسه أشياء من أشياء هذه الأرض. بيوت كثيرة تتقدم على المسجد عمارة وجمالا حسياً، لكن يبقى المسجد أكبر من كل القصور، وأكبر من كل مقدّر من مقدرات الناس لملك أو شهرة أو غير ذلك.
في بيت العالم لا نضحك كثيراً، لا نمدّ رجلنا أمامه، لا نكثر من المزح. أي بيت مؤمن يحس بشرفه لا يسمح لداخليه بأن يحولوه إلى ملعب إلى ملهى إلى مضحك. للمزح وللضحك حدود في بيوت المؤمنين.
وبيوت الله سبحانه وأشرفها البيت الحرام والكعبة المطهرة لها آدابها، ومن المقرر أنه يحرم هتك حرمة المساجد.
المصحف الشريف نقدّره تقديراً دينيا، وتقديرنا له يمنع علينا أن نرمي به، يمكن أن ترمي بكتاب في اللغة الإنجليزية أو غيره، لكن هل يمكن أن ترمي بكتاب الله لمسافة ثلاثة أذرع؟! لم تمزقه، لم تحرقه، لم تنجسه، لكن هذا العمل يعدّ في العرف هتكاً لحرمة كتاب الله واستخفافاً بوزنه. فلا يرتكب ذلك الإنسان المؤمن.
وبيوت الله سُمّيت بيوت الله لإضفاء شحنة من التشريف ومن القداسة عليها حينما عُينت لعبادة الله. هي بيوت لعبادة الله، ونُسبت إلى الله سبحانه وتعالى نسبة تشريفية ترفع من شأنها، وكرامة المسجد ترفع من كرامة الأمة. واحترام الأجيال للإسلام ينهدم لو أُهين المسجد، وأُهين المصحف، وأُهينت الرموز الدينية.
حينما تسحق كرامة الرموز الدينية، وتهان الكعبة، ويهان البيت الحرام، ويهان هذا المسجد وذاك المسجد، أو نستخف بهذه المقدَّسات تنهدم حرمة الإسلام أساسا في النفوس. ليس عبثا ولا اعتباطاً أن وضعت تعاليم وقواعد خاصة لدخول بيوت الحكام والملوك، يريدون أن يعطوا هيبة، يريدون أن يعطوا حرمة، يريدون أن يعطوا لهذه المواضع، لِلمُلك نفسه، والسلطان هيبة في النفوس.