محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٠ - الخطبة الأولى
أما بعد يا إخوة الإيمان فموضوع الحديث: حضارتان: حضارة الطين وحضارة الإنسان.
نعم هما حضارتان؛ حضارة الطين وحضارة الإنسان.
ما هو المعنى؟
أ- حضارة الطين:-
حضارة من بناء الإنسان بقابلياته الكبيرة، بجهوده المضنية، بتجاربه الكثيرة المتراكمة على الأرض، حضارة فيها علم وإبداع واكتشاف واختراع، عمارة شامخة، زراعة عامرة، مصانع تشهد بفكر جبّار، بجهد عظيم، بفنّ رائع.
لكن نظرتها للإنسان قاصرة، مقدّسها المادة، ملحوظها الدوافع الحيوانية، هدفها إشباع الشهوات الحسية وما هو قريب منها، واهتمامها بما يقع على طريق هذه الشهوات واللذائذ.
العقل والعلم فيها وسيلة للنمّو المادي والتلذذ الحسّي، وإشباع النهم الحيواني، لا واقعية عندها للقيم المعنوية؛ للصدق، للأمانة، للعدل، للإحسان. الأخلاق كلّها فيها عنوان بلا خلفية من واقع، لا حساب عندها لرقابة خلقية مترتّبة على مسؤولية يتحملها الإنسان، ولا لمثوبة أو عقوبة ينتظرهما وراء هذه الحياة.
حضارة الطين تجعل لبّ الإنسان قبضةَ التراب، وعناصر المادة، والروحَ التي بها نموُّ وحركةُ هذه القبضة الترابية، وما تجده به هذه الروح من لذائذ ومتع تتصل بهذا الجانب الوضيع من الإنسان.
هذه الروح معترف بها في حضارة الطين كما تعترف بالبدن وحاجاته، وهي حضارة تلغي النظر تماما إلى نفخة الروح العليا، وسر التطلّعات القدسية في نفس الإنسان، ومنبع القيم الخلقية في وجوده، والتي تحاول النفس أن تتشبّه بالتزين بها بأسماء الله الحسنى.
حضارة كبيرة عملاقة مادية على تقزّم شديد، وخواء كبير من ناحية روحية.
الحضارة المادية أصغر ما فيها الإنسان الآلة، الإنسان اللذة العابرة، والحيوان.