محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥١١ - الخطبة الأولى
من فعلها من حقارة، أنها تشعر بالحقارة من خلال الصلاة، أنها تشعر بالحقارة من خلال الصدقة، أنها تشعر بالهبوط من خلال التضحية والإيثار لمن هو أهله، النفس في هذه الأمور تشعر بالصعوبة، صعوبة الكلفة، وصعوبة المقاومة لشهوات المادة، ولكنها في نفس الوقت تشعر بأنها صاعدة، بأنها في معراج كمال، بأنها تتقدم خطوة إلى كمالها، بأنها تسمو من خلال هذه التضحية، ومن خلال هذا الإيثار، ومن خلال هذه الممارسة.
وعلى العكس هذه النفسُ ذاتها، حين تريد أن تقدم على عمل من أعمال الفحشاء، من أعمال البغي، من أعمال الظلم، من أعمال الغصب، من أعمال النهب لأول مرة وهي في نقائها وعلى أصل فطرتها وخلقتها الأولى، فإنها وفي غمرة اللذة المادية تشعر بأنها في غير الاتجاه الصحيح، وبأنها إلى هبوط، وبأنها تقاوم تطلعها إلى الكرامة، وتطلعها إلى الكمال.
كما أنها تشعر بعد الفعل الأول بتحقيق النجاح تشعر بعد هذا النوع الثاني من الفعل بواقع الفشل. هذا دليل وآية واضحة على أن النفس لها هداياتها، على أن النفس قد فطرت على الكمال، ولكننا حين نأخذ بها إلى الإتجاه الآخر، حين نهبط بالنفس بدل أن نعرج بها، حين ندخل بها في نفق الظلم ونفق الفحشاء ونفق السوء فإنما ندسّيها، إنما نخفيها.
والتدسية للنفس في فطرتها الهادية ومعرفتها الكريمة وتطلعها الكبير وشوقها إلى كمالها على طريق الله جريمة يمارسها الفرد مع نفسه، وتمارسها حضارته، حضارة المادة، والثقافة الكافرة، والمجتمع الفاسد، والسياسة الطامعة، والطبقة المترفة التي تتاجر بالدين والانسان والشرف والكرامة، عبادة للمال وطمعا مجنونا في تكدسه، ويمارسها الإعلام الفاجر الذي تحركه السياسية الجاهلية الظالمة في الأرض، وهوى المتمولين في حق هذا الانسان، وضد انسانيته، واسقاطا لقيمته، وهي أكبر خيانة له، وأبشع جريمة تأتي على معناه، وتسيء