محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٦ - الخطبة الثانية
وكثيراً ما يخلط شعورنا المأسور للواقع، المذعور أمامه بين الواقعية الصحيحة وبين الاستسلام للواقع والانبطاح له. وما أكثر ما تُملي علينا روح الاسترخاء، وروح الانتفاع الذي تشتهيه النفس من الواقع بأن نرفع شعار الواقعية، ونتحمَّس له، ونحوِّله ثقافة جماهيرية على مستوى الفكر والشعور والموقف العملي، مما يمثّل حال تخدير عام يهيمن على الساحة الإسلامية، ويفتح الطريق لكل مشاريع الهيمنة الأجنبية الجاهليَّة.
إننا النَّاسُ الذين يضغط عليهم الحماس فنرفع شعار الرساليَّة بلا حساب للواقع، أو يَضغط عليهم الضعف والمصالح فنرفع شعار الواقعية ولو بتصور حماية الرسالة بما يسحق الرسالة والرسالية، وينسف قيم الدين ومصالحه.
والتوفيق الدقيق بين المبدئية والواقعية واحدٌ من الأمور التي استوجبت في إمام المسلمين بعد المعصوم عليه السلام شروطاً عالية، ما الفقاهة ٢٧ الشاملة الواعية المستوعبة لمساحة الحكم الشرعي، والبنية العامة للإسلام، ومفاهيمه ورؤاه، وأهدافه وأولوياته وأساليبه إلا واحدٌ منها.
فمع ذلك المستوى من الفقاهة التقوى، والتاريخ النظيف البعيد عن الشبهات، والشاهد على النضج والإخلاص، والمبدئية وصحة الرؤية، والرصيد الضخم من التجربة والخبرة، والصلابة النفسيَّة، والفهم المتوازن للمبدئية والواقعية.
والإسلام يؤكد على المبدئية، ويأخذ بالواقعية وله نظرُهُ الدقيق الحكيم الواسع الذي يوظِّف الواقعية في خدمة المبدأ، ولا يجعلها تنال منه أو تتخذُ منه مركبا لتحريفه، وتشويهه، والتلاعب به.
من أيّ الواقعيات هذا؟
قد يجدُّ واقع منحرف، أو يكون مشروع على خلاف المصلحة الإسلامية في مرحلة التأسيس، ويتوقف تشييده ونجاحه المطلوب له على مباركة علماء الدين واحتضانهم له،