محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٦ - الخطبة الأولى
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) ٩.
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ومعادلة تكوينية تضعه على طريق سعادته، وتُبلِغُه غايته بشرط حسن إرادته فانقسم فريقين؛ فريق نما وزكا وسما وزاد نوراً ورشداً وهدى بأن انشدّ إلى منهج الله وأقام حياته على هداه (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ)
وفريق انحدر عن الصراط، وراهن في حياته على الأرض، وانكبَّ على الطين، فكان أسفل سافلين، بلا رشد ولا حكمة، ولا هدى ولا نور، ولا هدف كبير ولا نية صالحة، ولا تطلّع واسع، ولا رؤية فسيحة، ولا خُلُق كريم، ولا عمل صالح، ولا تقدير له صائباً، ولا تسليم فيه بالحق (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) وكأنه عاد حيواناً مفرّغاً من كل ما تغنى به إنسانية الإنسان القويم، بل من الناس والجن من يكون أكثر بعداً عن الإنسان في هداه وطهره وسموه من الحيوان، وهؤلاء الذين هم أكثر انحدارا من الحيوان كثير (وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) ١٠.
(وَ الْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)).
عدا من استثنتهم الآية الكريمة الأخيرة يُقسم الله سبحانه أنهم في خسر. هذا الخسر يبدأ فقداً في وزن إنسانية الإنسان، ومقدار هداه، واستعدادات صلاحه، وقدرته على الاستقامة، وقبوله للحق، ورضاه بالعدل، وأخذه بالهدى، ونقص زكاة في فطرته، ونقاء في روحه.
وهذا الخسران مستتبع لخسران الرضى والاطمئنان والأنس بالله في الحياة، وإمكان إقامة المجتمع السعيد في الدنيا والألطاف الإلهية الممنوحة للصالحين فيها وجميلِ موعود الله