محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩٧ - الخطبة الأولى
٤. مالٌ حسرة:
عن أمير المؤمنين (ع):" إن أعظم الحسرات يوم القيامة حسرةُ رجلٍ كسب مالًا في غير طاعة الله ٥، فورثه رجل فأنفقه في طاعة الله سبحانه، فدخل به الجنّة ودخل الأولُ النار".
الأول جمع المال من الحلال والحرام ولم ينتفع به، وورثه الآخر وهو لايدري عن وجوه دخله وكيف أتى، فهو معذور في إنفاقه، وقد وُفّق أن ينفقه في طاعة الله، فالوارث المنفق للمال في طاعة الله يدخل به الجنة، والمورّث الذي اكتسبه من معصية الله يدخل به النار، فما أعظمها من حسرة على الرجل الذي ارتكب المعاصي في سبيل جمع المال، فهو يرى ثمرة عمره قد انتفع بها غيره، وأن الأيام والسنين الطوال التي بذلها في سبيل المال قد بلغت بمن بذل المال في طاعة الله الدرجات العلى في الجنة، بينما هو يرى نفسه في قعر النار، فكم يتحسَّر رجل كهذا؟!
هذه جهود ومتاعب كان يمكن له أن تبلغ به لو كانت في طريقها الصحيح، وكان يحرص على أن يكون الكسب كسباً حلالا، والإنفاق في وجوه الخير لبلغت به أعلى درجات الجنة، بينما يرى الآن أن ثمرة عمره بيد غيره، وأن عمره قد انحط به إلى النار، وقد ارتفع به غيره إلى أعالي الجنّة.
" وعن الصادق (ع) في قوله تعالى: (كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ) ٦ هو الرجل يَدَعُ المال لايُنفِقُه في طاعة الله بخلًا، ثم يموت فيدعه لمن يعمل به في طاعة الله أو في معصيته ٧، فإن عمل به في طاعة الله رآه في ميزان غيره فزاده حسرة، وقد كان المال له، أو عمل به في معصيته فهو قوّاه بذلك المال حتى عمل به في معصية الله".
فالأول مرة يرى صاحبه يعمل به في طاعة الله فيدخل به الجنة، بينما هو يستحق النار؛ لمنعه المال عن سبيل الله وعن ماأمر الله به. ومرة يرى الثاني أنه استعمله في معصية الله فيكون هو قد قوَّاه بالمال الذي ارتكب به المعصية.