محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٣ - الخطبة الأولى
جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ) (إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) ١.
والإنسان حسب الآية نفخة من روح الله في جسد من قبضة من طين، ولا يشتبه على الناظر أن إسجاد الملائكة له بأمر الله التكريم فيه راجع إلى جنبة الروح ... إلى إيمانها وعلمها وأشواقها الإلهية، وأهليتها للدور الخلافي عن الله عز وجل في الأرض، وبما لهذه الروح من خلّاقية وإبداع وحكمة وإعمار وعدل وإحسان كلّه يُفاض على الإنسان متدفّقا من ربّه الكريم.
وأما جنبة البدن الراجعة إلى قبضة الطين فهي مرجع الامتحان في الأمر بالسجود الذي انصاع إليه الملائكة، وواجهه إبليس بروح جاهلية تملّكها الاستكبار قال (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).
وهذه الجنبة نفسها بما يتصل بها من دوافع ورغائب وشهوات ونزوات وطيش وانزلاق كانت الخلفية وراء تساؤل الملائكة بشأن خلافة آدم عليه السلام (وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ) وذلك في غيبة الالتفات إلى أهلية آدم عليه السلام للتكريم من خلال نفخة الروح وخصائصها المتميزة.
وقد احتاج الملائكة إلى درس إلهي تعلّق بتعليم الأسماء كلّها لآدم عليه السلام مما عالج خلفية تساؤلهم. وما تعلّم به آدم الأسماء إنما هو نفخة الروح الذاكرة المشرقة الملهمة الواعية، وليس قبضة الطين المعتمة المنغلقة الجامدة.
فهذا هو الإنسان باني الحضارة على الأرض معناه الكبير قرآنا في روحه الإنسانية المتميزة، وليس في كتلته المادية، ووجوده الطيني، وبشرته البارزة.