محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٠ - الخطبة الأولى
والآن مع دور الإنسان في حضارة الطين المدبرة عن الله، المنكبة على الأرض ... مع هذا التصور
ب- في تصوير حضارة الطين:
هذه مجموعة من خطابات الرسل لأقوام الحضارة المادية المنصرفين للنشاط المادي، المستغرقين فيه، المستهلكين لهمه، المبهورين بعطائه، المتقوقعين في دائرته، الذين يأكلهم الزمن من أجله، ويستوون هم والحيوانات التي يستخدمونها على طريقه، فيأكلون كما تأكل، ويشربون كما تشرب، ويتمتعون كما تتمتع لينتهوا نهايتها ولكن ليس كحسابهم حساب، وليس كعقابهم عقاب.
هذه الخطابات التي ترسم واقعهم المادي المتطرف تضعنا أمام تصورٍ منحرفٍ عن دور الإنسان كان يملك عليهم تفكيرهم، وشعورهم، ويحركهم على طريق الانحراف والزيغ عن الصراط.
تقرؤون في سورة الشعراء، خطابات لعدد من أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لأقوامهم المكذبين للرسل ..
١- هود لعاد:
" أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ* وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ" ١
الريع: المكان المرتفع. والمصانع: من معانيها في اللغة الحصون.
تقدم الآيات ثلاث صور من دور الإنسان في تقدير حضارة الطين:
أ- إنّه لحضارة تقيم عمارة عابثة، غير هادفة، متجاوزة للدور المطلوب منها، مستنزفة لهمّ الإنسان وفكره وجهده ... عمارةً تأخذ به بعيداً عن هدفه، وبناء روحه، والإعداد لمستقبله، وتلهيه عن الارتفاع بمستوى ما يبقى، وما هو الأهم، وما هو الأسمى من ذاته.