محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٥ - الخطبة الثانية
إلا أن غيرته على الدين لا تسمح له بأن ينظر في الواقع، وتدفعه لتجاوز كل دلالات الواقع وحساباته، ليرى النتيجة غير رابحة، وأن تحرّكه قد أضرّ بالرسالة الضرر الكبير.
وقد يقول لك: إنَّه التكليف. ولكن لابد أن يُفهم أن التكليف لا يتحول من إنشائيته كما يعبِّرون إلى حال كونه تكليفاً فعليّاً إلا بتحقق موضوعه في الخارج، ومن تحقق الموضوع أن يتحقق الشرط وعدم المانع.
نعم قد يكون التكليف في بعض الأحيان مجرد إظهار كلمة الحقِّ وإن غلا الثمن، ولم تتحقق نتائج غيرُ إظهاره، وذلك لئلا تسقط قيمة الدين بصورة أكبر. وقد تكون النتائج المنظورة للتكليف مستقبلية بعيدة، والتضحيات حاضرة قريبة فلا يُعترض على التضحيات. يمكن أن تضحّي اليوم مرتقبا النتيجة بعد عشر سنوات، فالتضحية هنا مقبولة ومطلوبة.
وأمَّا شعار الواقعية فكم قَبَرَ من مصالح للإسلام، وأزهق من حق، وأحيا من باطل، وفتح الطريق للظلم والقهر والعبث بالدِّين، وأذلّ المؤمنين وأعان عليهم، وجهَّلهم، وبلَّههم، واستغفلهم، وذيَّلهم، وكان العذرَ لكل قاعد ومتقاعد، وواهن ومتهاون، ومبهور بالدنيا وطامع؟!
وهو شعار مسؤول عن خسارة المسلمين هويتهم وأصالتهم أمام الغزو الغربي الكافر وعن روح الانحلال الخلقي التي سرت في مجتمعاتنا، والتبذُّل المنتشر بين صفوف أبناء الأمة وبناتها.
فلا ينبغي للمؤمنين أن يضيّعوا قضاياهم الكبرى، ويذوبوا في ما يخطط لهم على خلاف ما تقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين باسم الواقعية المطروحة شعاراً في غير إطار رؤية متكاملة مدروسة، تحكمها رسالية العقل المسلم، وشعور الإيمان. مما يعني تمرير كل المشاريع التي تنطلق من مواجهة الإسلام، وفتح الطريق إليها، وتركيزها.