البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٤ - ترجمة النقفور ملك الأرمن و اسمه الدمستق
المقاتلة و بقية الرجال، و سبى النساء و الأطفال، و جعل جامعها اصطبلا لخيوله، و كسر منبرها، و استنكث مئذنتها بخيلة و رجله و طبوله. و لم يزل ذلك من دأبه و ديدنه حتى سلط اللَّه عليه زوجته فقتلته بجواريها في وسط مسكنه. و أرواح اللَّه منه الإسلام و أهله، و أزاح عنهم قيام ذلك الغمام و مزق شمله، فلله النعمة و الإفضال، و له الحمد على كل حال. و اتفق في سنة وفاته موت صاحب القسطنطينية.
فتكاملت المسرات و حلصت الأمنية، فالحمد للَّه الّذي بنعمته تتم الصالحات و تذهب السيئات، و برحمته تغفر الزلات.
و المقصود أن هذا اللعين- أعنى النقفور الملقب بالدمستق ملك الأرمن- كان قد أرسل قصيدة إلى الخليفة المطيع للَّه، نظمها له بعض كتابه ممن كان قد خذله اللَّه و أذله، و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة و صرفه عن الإسلام و أصله. يفتخر فيها بهذا اللعين، و يتعرض لسب الإسلام و المسلمين، و يتوعد فيها أهل حوزة الإسلام بأنه سيملكها كلها حتى الحرمين الشريفين، عما قريب من الأعوام، و هو أقل و أذل و أخس و أضل من الأنعام، و يزعم أنه ينتصر لدين المسيح عليه السلام ابن البتول. و ربما يعرض فيها بجناب الرسول عليه من ربه التحية و الاكرام، و دوام الصلاة مدى الأيام. و لم يبلغني عن أحد من أهل ذلك العصر أنه رد عليه جوابه، إما لأنها لم تشتهر، و إما لأنه أقل من أن يردوا خطابه لأنه كالمعاند الجاحد. و نفس ناظمها تدل على أنه شيطان مارد.
و قد انتخى للجواب عنها بعد ذلك أبو محمد بن حزم الظاهري: فأفاد و أجاد، و أجاب عن كل فصل باطل بالصواب و السداد، قبّل اللَّه بالرحمة ثراه. و جعل الجنة متقلبه و مثواه.
و ها أنا أذكر القصيدة الأرمنية المخذولة الملعونة، و أتبعها بالفريدة الإسلامية المنصورة الميمونة قال المرتد الكافر الأرمني على لسان ملكه لعنهما اللَّه و أهل ملتهم أجمعين أكتعين أبتعين أبصعين آمين يا رب العالمين. و من خط ابن عساكر كتبتها، و قد نقلوها من كتاب صلة الصلة للفرغانى:
من الملك الطهر المسيحي مالك* * * إلى خلف الأملاك من آل هاشم
إلى الملك الفضل المطيع أخى العلا* * * و من يرتجى للمعضلات العظائم
أما سمعت أذناك ما أنا صانع* * * و لكن دهاك الوهن عن فعل حازم
فان تك عما قد تقلدت نائما* * * فانى عما همني غير نائم
ثغوركم لم يبق فيها- لوهنكم* * * و ضعفكم- إلا رسوم المعالم
فتحنا الثغور الأرمنية كلها* * * بفتيان صدق كالليوث الضراغم
و نحن صلبنا الخيل تعلك لجمها* * * و تبلغ منها قضمها للشكائم
إلى كل ثغر بالجزيرة آهل* * * إلى جند قنسرينكم فالعواصم