البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٣ - و هذه ترجمة المعتضد
أين السرير الّذي قد كنت تملؤه* * * مهابة من رأته عينه ارتعدا
أين القصور التي شيدتها فعلت* * * و لاح فيها سنا الإبريز فانقدا
قد أتعبوا كل مر قال مذكرة* * * و جناء تنثر من أشداقها الزبدا
أين الأعادي الألى ذللت صعبهم* * * أين الليوث التي صيرتها نقدا
أين الوفود على الأبواب عاكفة* * * ورد القطا صفر ما جال و اطردا
أين الرجال قياما في مراتبهم* * * من راح منهم و لم يطمر فقد سعدا
أين الجياد التي حجلتها بدم* * * و كن يحملن منك الضيغم الأسدا
أين الرماح التي غذيتها مهجا* * * مذ مت ما وردت قلبا و لا كبدا
أين السيوف و أين النبل مرسلة* * * يصبن من شئت من قرب و إن بعدا
أين المجانيق أمثال السيول إذا* * * رمين حائط حصن قائم قعدا
أين الفعال التي قد كنت تبدعها* * * و لا ترى أن عفوا نافعا أبدا
أين الجنان التي تجرى جداولها* * * و يستجيب إليها الطائر الغردا
أين الوصائف كالغزلان رائحة* * * يسحبن من حلل موشية جددا
أين الملاهي و أين الراح تحسبها* * * ياقوتة كسيت من فضة زردا
أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا* * * صلاح ملك بنى العباس إذ فسدا
ما زلت تقسر منهم كل قسورة* * * و تحطم العاتي الجبّار معتمدا
ثم انقضيت فلا عين و لا أثر* * * حتى كأنك يوما لم تكن أحدا
لا شيء يبقى سوى خير تقدمه* * * ما دام ملك لأنسان و لا خلدا
ذكرها ابن عساكر في تاريخه. و اجتمع ليلة عند المعتضد ندماؤه فلما انقضى السمر و صار إلى حظاياه و نام القوم السمار نبههم من نومهم خادم و قال: يقول لكم أمير المؤمنين إنه أصابه أرق بعدكم، و قد عمل بيتا أعياه ثانية فمن عمل ثانيه فله جائزة و هو هذا البيت:
و لما انتبهنا للخيال الّذي سرى* * * إذا الدار قفر و المزار بعيد
قال فجلس القوم من فرشهم يفكرون في ثانيه فبدر واحد منهم فقال:
فقلت لعيني عاودي النوم و اهجعى* * * لعل خيالا طارقا سيعود
قال فلما رجع الخادم به إلى المعتضد وقع منه موقعا جيدا و أمر له بجائزة سنية، و استعظم المعتضد يوما من بعض الشعراء قول الحسن بن منير المازني البصري:
لهفي على من أطار النوم فامتنعا* * * و زاد قلبي على أوجاعه وجعا