البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩ - ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و مائتين
و رضيتم عن ابن طاهر فإنه غير متهم لدى. فسكت الغوغاء و رجعوا إلى منازلهم، ثم انتقل الخليفة من دار ابن طاهر إلى دار رزق الخادم، و ذلك في أوائل ذي الحجة، و صلى بهم العيد يوم الأضحى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، و برز الخليفة يومئذ للناس و بين يديه الحربة و عليه البردة و بيده القضيب و كان يوما مشهودا ببغداد على ما بأهلها من الحصار و الغلاء بالأسعار، و قد اجتمع على الناس الخوف و الجوع المترجمان لباس الخوع و الخوف [١] نسأل اللَّه العافية في الدنيا و الآخرة.
و لما تفاقم الأمر و اشتد الحال و ضاق المجال و جاع العيال و جهد الرجال، جعل ابن طاهر يظهر ما كان كامنا في نفسه من خلع المستعين، فجعل يعرض له في ذلك و لا يصرح، ثم كاشفه به و أظهره له و ناظره فيه و قال له: إن المصلحة تقتضي أن تصالح عن الخلافة على مال تأخذه سلفا و تعجيلا، و أن يكون لك من الخراج في كل عام ما تختاره و تحتاجه، و لم يزل يقتل في الذروة و الغارب حتى أجاب إلى ذلك و أناب. فكتب فيما اشترطه المستعين في خلعه نفسه من الخلافة كتابا، فلما كان يوم السبت لعشر بقين من ذي الحجة ركب محمد بن عبد اللَّه بن طاهر إلى الرصافة و جمع القضاة و الفقهاء و أدخلهم على المستعين فوجا فوجا يشهدون عليه أنه قد صير أمره إلى محمد بن عبد اللَّه بن طاهر، و كذلك جماعة الحجاب و الخدم، ثم تسلم منه جوهر الخلافة، و أقام عند المستعين إلى هوى من الليل. و أصبح الناس يذكرون و يتنوعون فيما يقولون من الأراجيف. و أما ابن طاهر فإنه أرسل بالكتاب مع جماعة من الأمراء إلى المعتز بسامراء، فلما قدموا عليه بذلك أكرمهم و خلع عليهم و أجازهم فأسنى جوائزهم.
و سيأتي ما كان من أمره أول السنة الداخلة.
و فيها كان ظهور رجل من أهل البيت أيضا بأرض قزوين و زنجان في ربيع الأول منها، و هو الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب و يعرف بالكوكبى. و سيأتي ما كان من أمره هناك. و فيها خرج إسماعيل بن يوسف العلويّ، و هو ابن أخت موسى بن عبيد اللَّه الحسنى، و سيأتي ما كان من أمره أيضا. و فيها خرج بالكوفة أيضا رجل من الطالبيين و هو الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد اللَّه بن حسين بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان فاقتتلا فهزم العلويّ و قتل من أصحابه بشر كثير. و لما دخل مزاحم الكوفة حرق بها ألف دار و نهب أموال الذين خرجوا معه، و باع بعض جواري الحسين بن محمد هذا، و كانت معتقة.
و فيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب بمكة فهرب منه نائبها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى، فانتهب منزله و منازل أصحابه و قتل جماعة من الجند و غيرهم من أهل مكة، و أخذ ما في الكعبة من الذهب و الفضة و الطيب و كسوة
[١] كذا و لعل فيه تحريفا.