البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٦ - و هذه ترجمة المعتضد
قد اتبعه على أمره مائة ألف، و أن ناقته مأمورة حيث ما توجهت به نصر على أهل تلك الجهة.
فراج ذلك عندهم و لقبوه الشيخ، و اتبعه طائفة من بنى الأصبغ، و سموا بالفاطميين. و قد بعث إليهم الخليفة جيشا كثيفا فهزموه، ثم اجتازوا بالرصافة فأحرقوا جامعها، و لم يجتازوا بقرية إلا نهبوها و لم يزل ذلك دأبهم حتى و صلوا إلى دمشق فقاتلهم نائبها فهزموه مرات و قتلوا من أهلها خلقا كثيرا، و انتهبوا من أموالها شيئا كثيرا. ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و في هذه الحالة الشديدة اتفق موت الخليفة المعتضد باللَّه في ربيع الأول منها
و هذه ترجمة المعتضد
هو أحمد بن الأمير أبى أحمد الموفق الملقب بناصر دين اللَّه، و اسم أبى أحمد محمد، و قيل طلحة بن جعفر المتوكل على اللَّه بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس المعتضد باللَّه. ولد في سنة ثنتين و قيل ثلاث و أربعين و مائتين، و أمه أم ولد. و كان أسمر نحيف الجسم معتدل القامة، قد وخطه الشيب، في مقدم لحيته طول، و في رأسه شامة بيضاء. بويع له بالخلافة صبيحة يوم الاثنين إحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع و سبعين و مائتين، و استوزر عبد اللَّه بن وهب بن سليمان، و ولى القضاء إسماعيل بن إسحاق، و يوسف بن يعقوب، و ابن أبى الشوارب. و كان أمر الخلافة قد ضعف في أيام عمه المعتمد، فلما ولى المعتضد أقام شعارها و رفع منارها. و كان شجاعا فاضلا من رجالات قريش حزما و جرأة و إقداما و حزمة. و كذلك كان أبوه، و قد أورد ابن الجوزي باسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مقثاة فوقف صاحبها صائحا مستصرخا بالخليفة، فاستدعى به فسأله عن أمره فقال: إن بعض الجيش أخذوا لي شيئا من القثاء و هم من غلمانك. فقال: أ تعرفهم؟ فقال نعم: فعرضهم عليه فعرف منهم ثلاثة فأمر الخليفة بتقييدهم و حبسهم، فلما كان الصباح نظر الناس ثلاثة أنفس مصلوبين على جادة الطريق، فاستعظم الناس ذلك و استنكروه و عابوا ذلك على الخليفة و قالوا: قتل ثلاثة بسبب قثاء أخذوه؟ فلما كان بعد قليل أمر الخواص- و هو مسامره- أن ينكر عليه ذلك و يتلطف في مخاطبته في ذلك و الأمراء حضور، فدخل عليه ليلة و قد عزم على ذلك ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أعرف أن في نفسك كلاما فما هو؟ فقال:
يا أمير المؤمنين و أنا آمن؟ قال: نعم. قلت له: فان الناس ينكرون عليك تسرعك في سفك الدماء.
فقال. و اللَّه ما سفكت دما حراما منذ و ليت الخلافة إلا بحقه. فقلت له: فعلام قتلت أحمد بن الطيب و قد كان خادمك و لم يظهر له خيانة؟ فقال: ويحك إنه دعاني إلى الآحاد و الكفر باللَّه فيما بيني و بينه، فلما دعاني إلى ذلك قلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة، و أنا منتصب في منصبه فأكفر حتى أكون من غير قبيلته. فقتلته على الكفر و الزندقة. فقلت له: فما بال الثلاثة الذين