البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٣ - عبد اللَّه بن محمد
بين يديه و استراح الناس من شرهم. و أظن هذه الحكايات التي يذكرها بعض الناس عن أحمد الدنف عنهم، أو كان منهم و اللَّه أعلم.
و في ذي القعدة عزل الشريف الموسوي و ولداه عن نقابة الطالبيين. و فيها رجع ركب العراق من أثناء الطريق بعد ما فاتهم الحج، و ذلك أن الاصيفر الأعرابي الّذي كان قد تكفل بحراستهم اعترض لهم في الطريق و ذكر لهم أن الدنانير التي أقطعت له من دار الخلافة كانت دراهم مطلية، و أنه يريد من الحجيج بدلها و إلا لا يدعهم يتجاوزوا هذا المكان، فمانعوه و راجعوه، فحبسهم عن السير حتى ضاق الوقت و لم يبق فيه ما يدركوا فيه الحج فرجعوا إلى بلادهم، و لم يحج منهم أحد، و كذلك ركب الشام و أهل اليمن لم يحج منهم أحد، و إنما حج أهل مصر و المغرب خاصة. و في يوم عرفة قلد الشريف أبو الحسين الزينبي محمد بن على بن أبى تمام الزينبي نقابة العباسيين، و قرئ عهده بين يدي الخليفة بحضرة القضاة و الأعيان.
و فيها توفى من الأعيان
الصابئي الكاتب المشهور صاحب التصانيف، و هو:
إبراهيم بن هلال
ابن إبراهيم بن زهرون بن حبون أبو إسحاق الحراني كاتب الرسائل للخليفة و لمعز الدولة بن بويه، كان على دين الصابئة إلى أن مات عليه، و كان مع هذا يصوم رمضان و يقرأ القرآن من حفظه، و كان يحفظه حفظا حسنا، و يستعمل منه في الرسائل، و كانوا يحرضون عليه أن يسلم فلم يفعل، و له شعر جيد قوى. توفى في شوال منها و قد جاوز السبعين، و قد رثاه الشريف الرضى و قال: إنما رثيت فضائله، و ليس له فضائل و لا هو أهل لها و لا كرامة.
عبد اللَّه بن محمد
ابن نافع بن مكرّم أبو العباس البستي الزاهد، ورث من آبائه أموالا كثيرة فأنفقها كلها في وجوه الخير و القرب، و كان كثير العبادة، يقال إنه مكث سبعين سنة لم يستند إلى حائط و لا إلى شيء، و لا اتكأ على وسادة، و حج من نيسابور ماشيا حافيا، و دخل الشام و أقام ببيت المقدس شهورا، ثم دخل مصر و بلاد المغرب، و حج من هناك ثم رجع إلى بلاده بست، و كان له بها بقية أموال و أملاك فتصدق بها كلها، و لما حضرته الوفاة جعل يتألم و يتوجع، فقيل له في ذلك فقال: أرى بين يدي أمورا هائلة، و لا أدرى كيف أنجو منها. توفى في المحرم من هذه السنة عن خمس و ثمانين سنة، و ليلة موته رأت امرأة أمها بعد موتها و عليها ثياب حسان و زينة فقالت: يا أمه ما هذه الزينة؟
فقالت: نحن في عيد لأجل قدوم عبيد اللَّه بن محمد الزاهد البستي علينا (رحمه اللَّه تعالى).