البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠١ - محمد بن جعفر
ثم هلك عقيبها. مات في شوال من هذه السنة عن سبع أو ثمان و أربعين سنة، و حمل إلى مشهد على فدفن فيه، و كان فيه رفض و تشيع، و قد كتب على قبره في تربته عند مشهد على: هذا قبر عضد الدولة، و تاج المملكة، أبى شجاع بن ركن الدولة، أحب مجاورة هذا الامام المتقى لطمعه في الخلاص (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) و الحمد للَّه و صلواته على محمد و عترته الطاهرة. و قد تمثل عند موته بهذه الأبيات و هي للقاسم بن عبيد اللَّه:
قتلت صناديد الرجال فلم أدع* * * عدوا و لم أمهل على ظنه خلقا
و أخليت در الملك من كان باذلا* * * فشردتهم غربا و شردتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزا و رفعة* * * و صارت رقاب الخلق اجمع لي رقا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتى* * * فها أنا ذا في حفرتي عاطلا ملقى
فأذهبت دنياي و ديني سفاهة* * * فمن ذا الّذي منى بمصرعه أشقى؟
ثم جعل يكرر هذه الأبيات و هذه الآية (ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ) إلى أن مات. و أجلس ابنه صمصامة على الأرض و عليه ثياب السواد، و جاءه الخليفة معزيا و ناح النساء عليه في الأسواق حاسرات عن وجوههن أياما كثيرة، و لما انقضى العزاء ركب ابنه صمصامة إلى دار الخلافة فخلع عليه الخليفة سبع خلع و طوقه و سوره و ألبسه التاج و لقبه شمس الدولة، و ولاه ما كان يتولاه أبوه، و كان يوما مشهودا.
محمد بن جعفر
ابن أحمد بن جعفر بن الحسن بن وهب أبو بكر الجريريّ المعروف بزوج الحرة، سمع ابن جرير و البغوي و ابن أبى داود و غيرهم، و عنه ابن رزقويه و ابن شاهين و البرقاني، و كان أحد العدول الثقات جليل القدر. و ذكر ابن الجوزي و الخطيب سبب تسميته بزوج الحرة أنه كان يدخل إلى مطبخ أبيه بدار مولاته التي كانت زوجة المقتدر باللَّه، فلما توفى المقتدر و بقيت هذه المرأة سالمة من الكتاب و المصادرات و كانت كثيرة الأموال، و كان هذا غلاما شابا حدث السن يحمل شيئا من حوائج المطبخ على رأسه فيدخل به إلى مطبخها مع جملة الخدم، و كان شابا رشيقا حركا، فنفق على القهرمانة حتى جعلته كاتبا على المطبخ، ثم ترقى إلى أن صار وكيلا للست على ضياعها، ينظر فيها و في أموالها، ثم آل به الحال حتى صارت الست تحدثه من وراء الحجاب، ثم علقت به و أحبته و سألته أن يتزوج بها فاستصغر نفسه و خاف من غائلة ذلك فشجعته هي و أعطته أموالا كثيرة ليظهر عليه الحشمة و السعادة مما يناسبها ليتأهل لذلك، ثم شرعت تهادى القضاة و الأكابر، ثم عزمت على تزويجه و رضيت به عند حضور القضاة، و اعترض أولياؤها عليها فغلبتهم بالمكارم و الهدايا، و دخل عليها فمكثت معه دهرا طويلا ثم ماتت قبله فورث منها نحو ثلاثمائة ألف دينار، و طال عمره بعدها حتى كانت وفاته في هذه السنة