البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٠ - ذكر شيء من أخبار عضد الدولة
و بشرت آمالى بملك هو الورى* * * و دار هي الدنيا و يوم هو الدهر
و قال المتنبي أيضا:
هي الغرض الأقصى و رؤيتك المنى* * * و منزلك الدنيا و أنت الخلائق
قال و قال أبو بكر أحمد الأرجاني في قصيدة له بيتا فلم يلحق السلامي أيضا و هو قوله:
لقيته فرأيت الناس في رجل* * * و الدهر في ساعة و الأرض في دار
قال: و كتب إليه افتكين مولى أخيه يستمده بجيش إلى دمشق يقاتل به الفاطميين، فكتب إليه عضد الدولة «غرّك عزّك فصار قصاراك ذلك، فاخش فاحش فعلك، فعلك بهذا تهدأ». قال ابن خلكان: و لقد أبدع فيها كل الإبداع، و قد جرى له من التعظيم من الخليفة ما لم يقع لغيره قبله، و قد اجتهد في عمارة بغداد و الطرقات، و أجرى النفقات على المساكين و المحاويج، و حفر الأنهار و بنى المارستان العضدي و أدار السور على مدينة الرسول، فعل ذلك مدة ملكه على العراق، و هي خمسة سنين، و قد كان عاقلا فاضلا حسن السياسة شديد الهيبة بعيد الهمة، إلا أنه كان يتجاوز في سياسة الأمور الشرعية، كان يحب جارية فألهته عن تدبير المملكة، فأمر بتغريقها. و بلغه أن غلاما له أخذ لرجل بطيخة فضربه بسيفه فقطعه نصفين، و هذه مبالغة. و كان سبب موته الصرع.
و حين أخذ في علة موته لم يكن له كلام سوى تلاوة قوله تعالى (ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ) فكان هذا هجيراه حتى مات. و حكى ابن الجوزي أنه كان يحب العلم و الفضيلة، و كان يقرأ عنده كتاب إقليدس و كتاب النحو لأبى على الفارسي، و هو الإيضاح و التكملة الّذي صنفه له.
و قد خرج مرة إلى بستان له فقال أود لو جاء المطر، فنزل المطر فأنشأ يقول:
ليس شرب الراح إلا في المطر* * * و غناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهى* * * ناعمات في تضاعيف الوتر
راقصات زاهرات نجل* * * رافلات في أفانين الحبر
مطربات غنجات لحن* * * رافضات الهم أمال الفكر
مبرزات الكاس من مطلعها* * * مسقيات الخمر من فاق البشر
عضد الدولة و ابن ركنها* * * مالك الاملاك غلاب القدر
[١]
سهل اللَّه إليه نصره* * * في ملوك الأرض ما دام القمر
و أراه الخير في أولاده* * * و لباس الملك فيهم بالغرر
قبحه اللَّه و قبح شعره و قبح أولاده، فإنه قد اجترأ في أبياته هذه فلم يفلح بعدها، فيقال: إنه حين أنشد قوله غلاب القدر، أخذه اللَّه فأهلكه، و يقال: إن هذه الأبيات إنما أنشدت بين يديه
[١] بهامش الأصل: كذب القائل في لحنته. و كذا في شعره أيضا كفر.