البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٤ - ثم دخلت سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة
فخرج فصلى بهم و خطبهم. و قبض الغلمان على الوزير ابن مقلة و سألوا من الخليفة أن يستوزر غيره فرد الخيرة إليهم، فاختاروا على بن عيسى فلم يقبل، و أشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فاستوزره، و أحرقت دار ابن مقلة، و سلم هو إلى عبد الرحمن بن عيسى فضرب ضربا عنيفا، و أخذ خطبه بألف ألف دينار، ثم عجز عبد الرحمن بن عيسى فعزل بعد خمسين يوما و قلد الوزارة أبو جعفر بن القاسم الكرخي، فصادر على بن عيسى بمائة ألف دينار، و صادر أخاه عبد الرحمن بن عيسى بسبعين ألف دينار، ثم عزل بعد ثلاثة أشهر و نصف، و قلد سليمان بن الحسين، ثم عزل بأبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، و ذلك في السنة الآتية. و أحرقت داره كما أحرقت دار ابن مقلة في يوم أحرقت تلك فيه، و سنة بينهما واحدة. و هذا كله من تخبيط الأتراك و الغلمان. و لما أحرقت دار ابن مقلة في هذه السنة كتب بعض الناس على بعض جدرانها:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت* * * و لم تخف يوما يأتى به القدر
و سالمتك الليالي فاغتررت بها* * * و عند صفو الليالي يحدث الكدر
و فيها ضعف أمر الخلافة جدا، و بعث الراضي إلى محمد بن رائق- و كان بواسط- يدعوه إليه ليوليه إمرة الأمراء ببغداد، و أمر الخراج و المغل في جميع البلاد و الدواوين، و أمر أن يخطب له على جميع المنابر، و أنفذ إليه بالخلع. فقدم ابن رائق إلى بغداد على ذلك كله، و معه الأمير بجكم التركي غلام مرداويج، و هو الّذي ساعد على قتل مرداويج. و استحوذ ابن رائق على أموال العراق بكماله، و نقل أموال بيت المال إلى داره، و لم يبق للوزير تصرف في شيء بالكلية، و هي أمر الخلافة جدا، و استقل نواب الأطراف بالتصرف فيها، و لم يبق للخليفة حكم في غير بغداد و معاملاتها. و مع هذا ليس له مع ابن رائق نفوذ في شيء، و لا تفرد بشيء، و لا كلمة تطاع، و إنما يحمل إليه ابن رائق ما يحتاج إليه من الأموال و النفقات و غيرها. و هكذا صار أمر من جاء بعده من أمراء الأكابر، كانوا لا يرفعون رأسا بالخليفة، و أما بقية الأطراف فالبصرة مع ابن رائق هذا، يولى فيها من شاء. و خوزستان إلى أبى عبد اللَّه البريدي، و قد غلب ابن ياقوت على ما كان بيده في هذه السنة من مملكة تستر و غيرها و استحوذ على حواصلها و أموالها. و أمر فارس إلى عماد الدولة بن بويه ينازعه في ذلك وشمكير أخو مرداويج و كرمان بيد أبى على محمد بن إلياس بن اليسع. و بلاد الموصل و الجزيرة و ديار بكر و مضر و ربيعة مع بنى حمدان. و مصر و الشام في يد محمد بن طغج. و بلاد إفريقية و المغرب في يد القائم بأمر اللَّه ابن المهدي الفاطمي، و قد تلقب بأمير المؤمنين. و الأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد، الملقب بالناصر الأموي. و خراسان و ما وراء النهر في يد السعيد نصر بن أحمد الساماني. و طبرستان و جرجان في يد الديلم. و البحرين و اليمامة و هجر في يد أبى طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابي القرمطى. و فيها وقع