البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٢ - ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة
أن لا يجتمع أثنان من أصحاب أبى محمد البربهاري الواعظ الحنبلي. و حبس من أصحابه جماعة، و استتر ابن البربهاري فلم يظهر مدة. قال ابن الجوزي في المنتظم: و في شهر أيار تكاثفت الغيوم و اشتد الحر جدا، فلما كان آخر يوم منه- و هو الخامس و العشرين من جمادى الآخرة منها- هاجت ريح شديدة جدا و أظلمت الأرض و اسودت إلى بعد العصر، ثم خفت ثم عادت إلى بعد عشاء الآخرة.
و فيها استبطأ الأجناد أرزاقهم فقصدوا دار الوزير أبى على بن مقلة فنقبوها و أخذوا ما فيها و وقع حريق عظيم في طريق الموازين، فاحترق للناس شيء كثير، فعوض عليهم الراضي بعض ما كان ذهب لهم. و في رمضان اجتمع جماعة من الأمراء على بيعة جعفر بن المكتفي، فظهر الوزير على أمرهم فحبس جعفرا و نهبت داره، و حبس جماعة ممن كان بايعه، و انطفأت ناره. و خرج الحجاج في غفارة الأمير لؤلؤ فاعترضهم أبو طاهر القرمطى فقتل أكثرهم و رجع من انهزم منهم إلى بغداد، و بطل الحج في هذه السنة من طريق العراق. قال ابن الجوزي: و فيها تساقطت كواكب كثيرة ببغداد و الكوفة على صورة لم ير مثلها، و لا ما يقاربها، و غلا السعر في هذه السنة حتى بيع الكر من الحنطة بمائة و عشرين دينارا. و فيها على الصحيح كان مقتل مرداويج بن زياد الديلميّ، و كان قبحه اللَّه سيء السيرة و السريرة، يزعم أن روح سليمان بن داود حلّت فيه، و له سرير من ذهب يجلس عليه و الأتراك بين يديه، و يزعم أنهم الجن الذين سخروا لسليمان بن داود، و كان يسيء المعاملة لجنده و يحتقرهم غاية الاحتقار، فما زال ذلك دأبه حتى أمكنهم اللَّه منه فقتلوه شر قتلة في حمام، و كان الّذي مالأ على قتله غلامه بحكم التركي، و كان ركن الدولة بن بويه رهينة عنده فأطلق لما قتل، فذهب إلى أخيه عماد الدولة، و ذهبت طائفة من الأتراك معه إلى أخيه، و التفت طائفة منهم على بجكم فسار بهم إلى بغداد باذن الخليفة له في ذلك، ثم صرفوا إلى البصرة فكانوا بها. و أما الديلم فإنهم بعثوا إلى أخى مرداويج و هو وشمكير، فلما قدم عليهم تلقوه إلى أثناء الطريق حفاة مشاة فملكوه عليهم لئلا يذهب ملكهم، فانتدب إلى محاربته الملك السعيد نصر بن أحمد الساماني نائب خراسان و ما وراء النهر، و ما والاها من تلك البلاد و الأقاليم، فانتزع منه بلدانا هائلة. و فيها بعث القائم بأمر اللَّه الفاطمي جيشا من إفريقية في البحر إلى ناحية الفرنج فافتتحوا مدينة جنوة و غنموا غنائم كثيرة و ثروة. و رجعوا سالمين غانمين. و فيها بعث عماد الدولة إلى أصبهان فاستولى عليها و على بلاد الجبل و اتسعت مملكته جدا. و فيها كان غلاء شديد بخراسان، و وقع بها فناء كثير، بحيث كان بهمهم أمر دفن الموتى. و فيها قتل ناصر الدولة أبو الحسن بن حمدان نائب الموصل عمه أبا العلاء سعيد بن حمدان لأنه أراد أن ينتزعها منه، فبعث إليه الخليفة وزيره أبا على بن مقلة في جيوش، فهرب منه ناصر الدولة، فلما طال مقام ابن مقلة بالموصل و لم يقدر على ناصر الدولة رجع إلى بغداد، فاستقرت