البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨١ - ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة
[قال أبو نعيم: سئل أبو على الروذبارى عمن يسمع الملاهي و يقول إنه وصل إلى منزلة لا يؤثر فيه اختلاف الأحوال. فقال: نعم وصل، و لكن إلى سقر. و قال: الإشارة الابانة، لما تضمنه الوجد من المشار إليه لا غير، و في الحقيقة أن الإشارة تصححها العلل، و العلل بعيدة من غير الحقائق. و قال:
من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك، فتترك الانابة و التوبة توهما أنك تسامح في الهفوات، و ترى أن ذلك من بسط الحق لك. و قال تشوقت القلوب إلى مشاهدة ذات الحق فألقيت إليها الأسامي، فركنت إليها مشغوفة بها عن الذات إلى أوان التجلي، فذلك قوله (وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) فوقفوا معها عن إدراك الحقائق، فأظهر الأسامي و أبداها للخلق، لتسكين شوق المحبين إليه، و تأنيس قلوب العارفين به. و قال: لا رضى لمن لا يصبر، و لا كمال لمن لا يشكر. و باللَّه وصل العارفون إلى محبته و شكروه على نعمته. و قال: إن المشتاقين إلى اللَّه يجدون حلاوة الشوق عند ورود المكاشف لهم عن روح الوصال إلى قربه أحلى من الشهد. و قال: من رزق ثلاثة أشياء فقد سلم من الآفات: بطن جائع معه قلب قانع، و فقر دائم معه زهد حاضر، و صبر كامل معه قناعة دائمة. و قال: في اكتساب الدنيا مذلة النفوس، و في اكتساب الآخرة عزها، فيا عجبا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى على العز في طلب ما يبقى] [١] و من شعره
لو مضى الكل منى لم يكن عجبا* * * و إنما عجبي في البعض كيف بقي
أدرك بقية روح منك قد تلفت* * * قبل الفراق فهذا آخر الرمق
محمد بن إسماعيل
المعروف بخير النساج أبو الحسن الصوفي، من كبار المشايخ ذوى الأحوال الصالحة، و الكرامات المشهورة. أدرك سريا السقطي و غيره من مشايخ القوم، و عاش مائة و عشرين سنة. و لما حضرته الوفاة نظر إلى زاوية البيت فقال: قف رحمك اللَّه، فإنك عبد مأمور و أنا عبد مأمور، و ما أمرت به لا يفوت و ما أمرت به يفوت. ثم قام و توضأ و صلى و تمدد و مات (رحمه اللَّه). و قد رآه بعضهم في المنام فقال له:
ما فعل اللَّه بك؟ فقال استرحنا من دنيا كم الوخيمة.
ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة
فيها أحضر ابن شنبوذ المقري فأنكر عليه جماعة من الفقهاء و القراء حروفا انفرد بها فاعترف ببعضها و أنكر بعضها، فاستتيب من ذلك و استكتب خطه بالرجوع عما نقم عليه، و ضرب سبع درر بإشارة الوزير أبى على بن مقلة، و نفى إلى البصرة. فدعا على الوزير أن تقطع يده و يشتت شمله، فكان ذلك عما قريب. و في جمادى الآخرة نادى ابن الحرسي صاحب الشرطة في الجانبين من بغداد
[١] سقط من المصرية.